مراجع و بحوث في ميدان الرسم بتونس
"مجتمع وعمران" مجلة الدراسات الحضارية، عدد 23، نوفمبر 1996، ص 9-13.
خالد الأصرم
لم تكن ممارسة فن الرسم المسندي بتونس من
التقاليد الموروثة، فقد جلبه الاستعمار في جملة ما جلب من قيم دخيلة فرضها على وسط
اجتماعي كانت له معايير جمالية مغايرة ومفاهيم خاصة، ونراه اليوم يحتفظ بمكانة في
حياتنا الإبداعية إلى جانب ميادين حديثة مثل الرواية والمسرح والسينما لم تكن هي
الأخرى منذ عهد قريب من مشمولات مجالاتنا الثقافية. وهذه الوسائل التعبيرية
المستجدة التي أمدت ثقافتنا بأبعاد جديدة تحظى اليوم بإقبال متزايد من طرف
الدارسين والهاوين. وهي تستجيب لمواكبة تيار فكري قوي يدفع بنا
إلى
التفاعل مع الحضارات الأخرى و التلاقح معها, و
في الحين نفسه إلى مراجعة قيمنا الحضارية واعتبارها من جديد سعيا في إحياء عناصرها
الصحيحة وإعطائها مفاهيم حديثة بهدف الخروج بها من ربقة الجمود والتبعية والإضفاء
عليها صبغة التجدد والابتكار.
ويتجلى هذا الاعتناء بالتراث القومي في
الأبحاث التي حققت منذ عقدين في شتى الميادين الفنية, متناولة العوامل التاريخية
والاجتماعية التي أثرت في نشأتها و الإطار الزمني الذي نبعت منه و ترعرعت فيه،
ولكن هذه الأبحاث، بقدر ما ازدهرت في النشاط السينمائي والمسرحي نقدا وعرضا
ومحاضرات، لم تلق نفس الاهتمام من جانب الفنون التشكيلية عامة وفن الرسم خاصة، فباستثناء
نصوص مجملة في بعض أدلة للمعارض وعدد قليل من الدراسات الجامعية التي لم تنشر بعد،
لم تصنف على حد علمي حتى الآن بحوث من شأنها أن يكون لها إشعاع أوسع، تستقطب بصفة
شاملة تاريخ فن الرسم بتونس
وتتبع الأطوار التي قطعها وتسجل الأحداث التي سايرها منذ نشأته، وفي نفس السياق
فإنه لم تدون كتب تهتم بموضوع المنشآت والمؤسسات التي كانت تمثل الفن الاستعماري
كالصالون التونسي ومدرسة الفنون الجميلة و أروقة المعارض الفنية والتي كانت المورد
الأصلي في تلقيح ظاهرة فن الرسم ببلادنا والشرارة الأولى التي أذكت مواهب الرواد
من التونسيين. ولا شك أن الفراغ الذي مازلنا نلمسه في خصوص هذه الدراسات الأساسية
والمرجعية من شأنه أن يلعب دورا ليس بالهين في عرقلة جهود الباحثين وفي توعية
الطبقة المثقفة من الذين لم تتغلغل فيهم بعد المفاهيم الجمالية والإدراك الفني, إذ
بقيت من مميزات وسط ضيق من المختصين، ومما يذكر في هذا الصدد الفقد الكلي لمجلات
تتميز بكثافة البحوث وتركز على مادة الفنون التشكيلية على التحديد، و خاصة منها فن
الرسم المسندي باعتباره الأكثر رواجا في بلادنا, فمن المؤسف أن مجلة
"فنون" التي أصدرتها وزارة الشؤون الثقافية، وكانت تهتم من خلال دراسات
ميدانية بقضايا الفن بشتى فروعه، إضافة إلى برامج المهرجانات والنشاطات في المواسم
الثقافية، قد توقفت كليا عن الإصدار منذ سنة 1986، فلم يظهر منها للوجود غير ستة أعداد في ظرف ثلاث سنوات، وكذلك فإن مجلة
"دراسات" التي أدرجت فيها مقالات حررها جمع من أساتذة معهد الفنون
الجميلة والهندسة المعمارية لم يبرز منها
غير عدد واحد في سنة 1989. ثم إن مجلة "الحياة الثقافية" بدورها (التي
شرعت إدارة الآداب في إصدارها منذ عام 1966, إلى جانب مجلة "الفكر" 1955
ومجلة "الشعر" 1982) وكانت تخصص هي الأخرى للقسم الأدبي أوفر قسط، قد
تنوعت دراساتها في شتى الإبداعات الفنية من مسرح وسينما وفنون شعبية وموسيقى...لا
سيما في هذه السنين الأخيرة حيث استرعت النظر للفنون التشكيلية خاصة.
ولا ننكر أن ما قامت به بعض ديار الطبع
والنشر، بداية من السبعينات، من ترويج كتب تهتم بفن الرسم بتونس، وهي في حد ذاتها
مبادرة إيجابية قد سدت فراغا كان سائدا من قبل في خصوص المنشورات الفنية، ولكنها
لا تفي في الوقت الحاضر بمسيس الحاجة ولا تستجيب لطلب عدد متزايد من القراء. وقد
تميزت دار "ساراس للنشر" من جهتها بصبغة فنية عندما وزعت سلسلة من الكتب
التي تتعلق بحياة بعض الرسامين وأعمالهم
نوردها طبق عناوينها وتاريخ طبعها:
- جون
دفنيون: "جلال ابن عبد الله – منمنمات تونسية" 1972
- جلال
الكسراوي: "الرسامون السذج بتونس" 1972.
- جون
دفنيون: "بول كلي بتونس" 1980
- جون
قوجون: " حاتم المكي أو غواية الخطيئة" 1980
- جون
دفنيون: "جلال ابن عبد الله" 1986
- عز
الدين المدني: "نجا المهداوي" 1983،
- الطاهر
قيقة: "عبد العزيز القرجي" 1985
- توفيق
بكار: "محمود السهيلي" 1986
- محمد
المصمودي: "علي بلاغة" 1990
- الزبير
الأصرم: "رفيق الكامل" 1991
وتضاف إلى هذه المجموعة كتب أخرى من منشورات
مختلفة نذكر منها ما كان في وسعنا جمعه:
- ميلوسلاف
كرايني: "الزبير التركي" (مع مشاركة كتابة الدولة للشؤون الثقافية)
1963
- الزبير
التركي: "تونس في الغابر والحاضر، (الشركة التونسية للنشر)1967،
- عز
الدين المدني / صفية القلي: "عمار فرحات" (نشر الاتحاد الدولي
للبنوك) 1979،
- الهادي
زهاق: "نور الدين الخياشي" (نشر تونس – قرطاج) 1982
- محمد
بوذينة: "كلي ومايك ومواليات في الحمامات" (طبعة الخليج) بلا تاريخ
- "المكي"
(حوصلة ملتقيات بين الفنان والناشرين) (أليف) 1989
- محرزية
العياري: "المنصف ابن عمر الرسام الصاخب" (مجموعة فن) 1991،
- نيكول
بونتشارة: "رشيد القريشي" (نشر دي لاسة) 1991،
- أرمون
قيبرت: "علي ابن سالم" (تقديم محمود المسعدي) (مجموعة فن) 1993...
و
الجدير بالملاحظة أن هذه المنشورات التي
تتضمن في الغالب تراجم مستقلة لأفراد من الرسامين وبعض آثارهم غير كافية لاتساع كل
ما يتعلق بظواهر فن الرسم ببلادنا وغير آخذة بكل أوجهه وجوانبه، وعلى هذا النحو
فإن الفصول التي نعثر عليها في الصحافة اليومية التي كانت تشاع في عهد الحماية أو
فيما بعده مثل "الدبيش التونسية" La dépêche tunisienne 1961-1889 و "لبتي ماتان le petit matin 1923-1967 و"لاكسيون" L’action (منذ سنة 1934) و "لابراس" La presse (التي تأسست سنة 1936
ثم أصبحت جريدة وطنية منذ سنة 1968) و "لوطون Le temps (التابعة لدار الصباح ظهرت منذ سنة 1975)،
كل هذه الصحف الناطقة باللغة العربية أو الفرنسية، رغم ما تستشفه في ركن الثقافة
من أخبار تهم الفنون التشكيلية بصفة خاصة، لا تفي على الإطلاق بالإلمام لما يحدث
من النشاطات الفنية ومن شتى العروض والملتقيات والندوات، ولا تتجاوز من حيث
مضمونها مستوى التعريف بالفنانين والإطراء بهم قصد إشهارهم أو الرفع من معنوياتهم.
وإن كان من العسير العثور على أدلة لكل
المعارض التي انتظمت داخل البلاد أو خارجها, خاصة مدة الحماية وأوائل الاستقلال،
فإن هذه الأدلة لا تتعدى في جملتها سرد أسماء المشاركين وعناوين أعمالهم المعروضة
ولا تفي بمعلومات ضافية حتى تمكن من استيعاب الأساليب واستنتاج الاتجاهات، وكذلك
فمن الصعب الحصول على المجلات والدوريات التي كانت متداولة في عهد الحماية، نظرا
لوجود أعداد مبعثرة في بعض المكتبات العمومية والخاصة، وهي وإن لم تجرد معظمها يد
البحث، فإن فيها من المعلومات ووفرة الصور والمشاهد لتلك الفترة ما لا غنى عنه،
وأشهر هذه المجلات "تونس المصورة" التي بدأت في الظهور سنة 1910 و
"تونس المجلة المصورة" و "الحياة التونسية المصورة" و
"إفريقيا الشمالية المصورة" و "المجلة التونسية" التي أسست
بعناية من معهد قرطاج سنة 1894 والتي استمرت إلى عام 1948، وهذه المجلة إلى جانب
ما احتوت عليه من مقالات في التاريخ وعلم الآثار والتقاليد الشعبية والأدب عامة،
قد تضمنت تقارير الصالون التونسي وهو أبرز حدث فني كان ينتظم مرة في كل عام، يشارك
فيه عدد وافر من الرسامين الأجانب منهم والقاطنين آنذاك بالإيالة، وكان تحرير
الفصول وتقارير المعارض واستجوابات الفنانين يقوم به كل من "شارلي" Charley في"الرسالة التونسية" و"مارشاند" Marchand في "لبتي ماتان" و "ن.
قنقل" N.Gungl و "لو مونيي" le Monnier و "ليكا باك" leca beuque في "تونس المصورة" و خصوصا
"أ. فيشي" A.Fichet الذي كان ينشر مقالاته في "تونس الاشتراكية"
وفي "كاهنة" و"شمس".
وقد برزت في الصحف اليومية, لا سيما منذ السبعينات
الى وقتنا الحالي, أسماء صحافيين وكتاب أكفاء يهتمون بشؤون الثقافة عامة مثل
"علية حمزة" وصوفية القلي و "بديع ابن ناصر" و "رضا
الكافي" و "فتحي الشرقي" و "كمال ابن وناس" و
"حمادي العباسي" و "عمر القيزاني" و "آن ماري
الخطيب" و "مونيك العكاري", وغيرهم من الذين ساهموا عبر مقالاتهم في
توعية الجمهور و ايقاظ إحساسه الفني.
ثم لا ننسى في هذا الصدد الجهد الذي بذله
منذ نشأته عام 1978 مركز الفن الحي بتونس قبل إيصاد أبوابه وتحويل إدارته إلى قصر
السعيد عام 1990، ففي غضون اثني عشرة عاما قام هذا المركز بدور فعال على الساحة
الثقافية والفنية, ومن جملة ما اعتنى به نشر مجموعة من الأدلة لكل المعارض الدورية
التي احتضنها وقام بتنظيمها, و قد تركت أثرا محسوسا إذ هي مدعمة بصور لأهم الأعمال
المعروضة تكسب النص إيضاحا، وكثيرا ما تكون مصحوبة ببسطة شاملة على الحياة الفنية
بالبلاد، نكتفي هنا بالإشارة إلى بعض عينات منها:
"فن الرسم في تونس" (1904/1977)،
"جماعة مدرسة تونس" (1978)، "معرض جماعة ارتسام" (1980)،
"معرض التصوير" (1981)، "المفردة في الفنون التشكيلية" (وهي
دراسة لجمع من الأساتذة والمبدعين حول معرض أقيم عام 1988)، "رؤى الرمز
والتخيل في الفن التونسي المعاصر" (تقديم علي اللواتي 1988)، "فن الرسم
الأوربي بتونس في عهد الحماية (نص علي اللواتي وناريمان ابن رمضان 1989)... وجل
هذه المعارض تتكون من رصيد الأعمال الفنية التي كان يحتفظ بها المركز, ونذكر تتمة لهذه القائمة من بين
ما سجله قلم علي اللواتي، المدير السابق لهذا المركز ومدير دار الفنون حاليا من مؤلفات
حديثة :"ابن زاكور - رسوم وتخطيطات" (1992) و
"الهادي التركي - شكل الحياة وحياة الشكل"
(ديسمبر 1993–مارس 1994).
وأوثق بحوث وأكملها إفادة هي البحوث التي
تحققت في الإطار الجامعي ولكنها تتضمن في حد ذاتها عائقا ماديا في عدم بروزها من
الفضاء الضيق للمكتبات الجامعية، وأول هذه الدراسات قد أعدت في نطاق مادة
الجماليات وتاريخ الفن بالصربون باريس 1 في عقد السبعينات، نقتصر فيها على ما
يتعلق بميدان فن الرسم، ونذكر في طليعتها أطروحة صفية القلي "بداية فن الرسم
وإنشاؤه بتونس" (1974) والتي طبعت ونشرت فيما بعد تحت عنوان "فن الرسم
في تونس، جذوره وتكوينه" (نشرات جومو، 1994)، وانطلاقا من هذه الدراسة تناول
الزبير الأصرم في نفس الغرض موضوعا في "إنشاء لغة جديدة وتكوين هوية في فن الرسم
بتونس" (1978) والناصر ابن الشيخ موضوعا عنوانه "فن الرسم في تونس –
خبرة فنية مغاربية وتاريخ" (1979)، ومشلين جيرارد موضوعا في "الفن والاستدلالات
الفنية في تونس من عهد الجمهورية الثالثة إلى عهد الاستقلال" (1982).
وكانت هذه البحوث المحررة بالفرنسية منطلقا
لسلسلة من الأطروحات التي قدمها جمع من الأساتذة والطلبة بجامعة تونس 2، خصوصا
بمعهد الفنون والهندسة المعمارية، ننوه بالبعض منها: ليلى التليلي: "دراسة في
النقد الفني التونسي من خلال تكلف المعاني والأساليب" (1984)، عبد الملك
العلاني : "جسم المرأة في الرسم التونسي
المعاصر دراسة لبعض أعمال فنية" (1985)، نبيلة ابن رمضان : "أثر
الخطوط العربية في أعمال ثلاثة رسامين تونسيين" (1985)....ولزيادة التوضيح ينبغي
الرجوع إلى قائمة الأطروحات التي سجلت بقسم البحوث الملحق بمكتبة مدرسة الفنون
الجميلة.
جميع هذه المصادر والمراجع التي استعرضناها
من صحف قديمة ومجلات ودراسات جامعية من العاجل والضروري أن يحرص الباحثون و
المنظرون في جمع شتاتها واقتناء ما اندثر منها, وأن يتفرغوا إلى تنظيمها وتقسيمها
وتبويبها حتى يتمكنوا من تناول مواضيع مدعمة بالتوثيق يتجنبون فيها مجرد الافتراضات
والمفاهيم السطحية، ويعملون على تقصي الحقائق الثابتة وغربلة المعلومات ومقارنتها
والتحري فيها, فهناك مسائل شتى وتساؤلات عدة
يمكن وضعها تحت مجهر البحث، مثل موضوع الصحافة والنقد الفني، وموضوع الأروقة
والسوق الفنية وعلاقة كل منها بمجالات الإبداع, أو الانطلاق من واقع اللوحة نفسها
كتركيبة ذات وحدات مستقلة, وتحليل جوانبها التقنية و التشكيلية (إذا
اعتبرنا أن فن الرسم نشاط قائم بذاته وظاهرة إنسانية لها مميزات خاصة و مفاهيم وأساليب محددة)، وهناك أيضا مواضيع تتعلق
بمحاور أخرى مثل الوقوف على حياة الفنانين وتحديد أساليبهم والتجمعات التي ينتمون
إليها والنزعات الناتجة عن تجاربهم, فقد بدأ فن الرسم مع ثلة من الرسامين ممن
شهدوا انبعاث الحركة الفنية أوائل القرن مازال معظمهم اليوم بقيد الحياة, فإلى جانب ما يقتنى الباحث أو
المؤرخ من مصادر مكتوبة تمده بالمعلومات والأخبار يحتاج هو الآخر إلى إتباع منهج علمي تكميلي
وهو الإصغاء إلى هؤلاء الرواد واستجوابهم والتعرف على ما عايشوه في ظرف زمني يكاد
ينسى إذا لم تقيد
جوانب منه يد البحث ولم تسجله الكتابة...
كل هذه الدراسات والمسائل
المطروحة على بساط البحث, من شأنها أن تكون رصيدا كافيا لفرض نظريات جديدة تهم مجالات
الفنون التشكيلية ببلادنا فتجعلها مادة ثرية للتأمل وتلحقها بالتيارات الفكرية
التي تنبني عليها دعائم ثقافة واعية.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire