lundi 8 janvier 2018

مدرسة الفنون الجميلة في تونس 1923-1966




                   تأسيس مدرسة الفنون الجميلة بتونس


"الحياة الثقافية", وزارة الشؤون الثقافية  تونس – نوفمبر 1987, عدد 45, ص48/53

خالد الأصرم    
          

   لم تكن فكرة تكوين أول مركز رسمي لتعليم الفنون الجميلة  في تونس ما قبل الاستقلال عفوية أو طارئة، بل جاءت لاستجابة ملحة كانت الأواسط الفنية قد عبرت عنها أثناء لقاء خاص تم بينها وبين "لوسيان سان"  المقيم العام الفرنسي في ذلك العهد.

   ففي سنة 1923،  وباقتراح من "بيار بوايي" متفقد الفنون الجميلة في إدارة التعليم العمومي، اختير الطابق الأول (1) من دار ابن عياد الكائنة بحي الباب الجديد بمدينة تونس العربية ليكون أول مقر رسمي للمركز, وقد خصص له "المجلس الكبير" ميزانية لا تخلو من قيمة لاقتناء مجموعة من الكتب الفنية, كما تم جلب عدد من اللوحات الزيتية ونماذج من الجبس لنحوت اغريقية-رومانية  أهدتها بعض المتاحف الفرنسية إلى المركز.

   كانت الدروس النظرية من نصيب "بيار بوايي" بصفته  متخصصا في تاريخ الفنون الأوربية والفرنسية، و هو أول من تولى إدارة المركز, (2) أما الدروس التطبيقية المتعلقة بمواد الرسم والنحت والحفر، فكانت من نصيب كل من "أنطوان فرجو" (3) و"ألكسندر فيشي" (4) كان معظم تلاميذ المركز من أبناء الجالية الأوربية عامة، والفرنسية والإيطالية خاصة، أما عدد التلاميذ التونسيين فكان آنذاك نزرا قليلا.

    ومن المعلوم أن يحي التركي هو من أول المنتمين من التونسيين إلى المركز، وقد دخله سنة افتتاحه (أكتوبر 1926) في الوقت نفسه مع عبد العزيز ابن الرايس, والتحق بهما فيما بعد كل من علي ابن سالم وعمارة دبش وحاتم المكي ثم تبعهم غيرهم من رواد الحركة الفنية التشكيلية في تونس.

   و قد أقيم أول معرض جماعي سنة 1934, و كان يتكون من موزس ليفي وجول للوش وبيار بوشارل، ومن الرسام الإيطالي الأصل التونسي المولد أنطونيو كوربورا (4)، وكان يحي التركي من المشاركين في معرض تلك الجماعة، ثم انضم إليه، بعد سنوات، عمار فرحات وجلال ابن عبد الله. وفي الأثناء كان علي ابن سالم قد تمكن من إثبات حضوره الفني في تونس وباريس، ثم في البلاد الإسكندنافية منذ سنة 1944.

   عندما أحيل "بيار بوايي" سنة 1927 على المعاش، خلفه "أنطوان فرجو" (المشرف على ورشة فن الرسم) كمدير للمركز، وقد اتخذ الطابق الأول مقرا لسكناه العائلي، بينما اختير الجزء السفلي بأكمله لأقسام المركز وإدارته.



                                                                ألكسندر فيشي : "رسم ذاتي" ,زيت على قماش



    و في غرة أكتوبر 1930 أصبح المركز، مطابقة لقرار رسمي موقع من طرف مدير المعارف "لوسيان بي"، يحمل تسمية "مدرسة الفنون الجميلة". وقد تأسست هذه المدرسة متأثرة بالمناهج التعليمية الأكاديمية المعمول بها في باريس خاصة, وكانت الدروس مكرسة أساسا لفنون الرسم الزيتي والألوان المائية. ثم أحدثت إدارة المدرسة فرعا جديدا للهندسة المعمارية بداية من سنة 1945 بإشراف المهندس فكتور فلانسي،  وتكونت ورشة للفنون الزخرفية و الزجاجيات و الفسيفساء، وقد تم ذلك حوالي سنة 1949 في عهد إدارة بيار برجول. (5) 


                              

                                                   بيار برجول : "رسم ذاتي", زيت على قماش


    وعندما تضاعف عدد التلاميذ، وأصبحت دار ابن عياد غير كافية لاحتضان عددهم، وتعذر النفع بكل الإمكانيات المتاحة، تمت نقلة المدرسة إلى بناية رممت لهذا الغرض في منطقة باب سيدي عبد السلام. وقد أشرف المقيم العام بيار فوازار (يوم 16 أكتوبر 1953) على افتتاح هذا المقر بحضور نخبة من الإداريين والمثقفين الفرنسيين وبعض كبار المسؤولين من التونسيين.

    منذ حوالي سنة 1929 بدأ تلاميذ المدرسة في تنظيم معارض سنوية دورية لأعمالهم الفنية في قصر الجمعيات الفرنسية (دار الثقافة ابن رشيق حاليا)، كما شارك العديد من أساتيذ المدرسة في تلك المعارض التي لقيت من السلط الفرنسية الكثير من الاستحسان والعناية والتشجيع.

   كان الأسلوب الفني الأكثر تداولا ورسوخا في المدرسة هو الأكاديمي البحت، ينم عن رغبة واضحة في التمكن، تقنيا وجماليا، من أساليب الفنون الإغريقية والرومانية باعتبارهما المثل الفني الأعلى السائد في المدارس الأوربية آنذاك.

   ولم تلق الأساليب الحديثة رغبة في الغالب، إذ اعتبرت مجرد محاولات "طائشة" لا يجوز أخذها بعين الاعتبار. لكن بعض أعمال فرجو وبرجول وفيشي بدت، في حينها, كأنها محاولة شبه توفيقية بين النمط الأكاديمي و بعض النزعات الطلائعية التي راجت أواخر القرن التاسع عشر(كالانطباعية و الوحشية و الرمزية). ولا شك أن مجمل أعمال هؤلاء الفنانين المتأثرين خاصة بالأنماط التقليدية الفرنسية كان لا يخلو أحيانا من طابع فولوكلوري تونسي مميز. وقد يكون من الصحيح الاعتقاد بأن رمزية بعض لوحات فرجو كانت مستوحاة من أسلوب أستاذه البارع جوستاف مورو, وكان فيشي بدوره الفنان المثقف بحق، و من الموهوبين في فن البرتريه (رسم الوجوه والأشخاص) على طراز واقعي ثابت، بينما كان مولعا أيضا بالأسلوب التنقيطي في لوحاته ذات المواضيع الطبيعية حيث يستعمل الألوان المائية للتعبير بكل دقة عن شفافية الأظلال و تدرج الألوان. أما برجول, المأخوذ أيضا بإشراق أضواء شمال افريقيا، فكان بارعا، في حدود اختصاصه، في رسم مشاهد حية من المجتمع العربي في حياته اليومية المألوفة.


                   (1)  أرمون فرجو : "مشهد لشارع نشط بشمال افريقيا ", زيت على قماش  (46
55x,)





     (40xألكسندر فيشي: "أكسندر روبتزوف, رسم ذاتي" ,زيت على ورق مقوى (30 (




  

 
                           (3)  ألكسندر فيشي: "حامل القبعة", 1912, رسم زيتي على ورق مقوى




                                          (4)  بيار برجول : "شارع بمدينة تونس", 1970  



                                                  

                                                   (5)  بيار برجول :"سوق", جربة


     وكان من الطبيعي أن تنعكس أساليب هؤلاء الأساتيذ على أعمال تلاميذهم التونسيين أيضا، فقلدوها  بكل دقة من غير أن يتفطنوا في البداية الى جوانب سلبياتها المتمثلة، بصفة ملحوظة، في طابعها العرقي ونزوعها الاستعماري، لا جدال في أن "مدرسة الفنون الجميلة" في طورها التأسيسي الأول كانت بعيدة كل البعد عن الواقع التونسي، غير مكترثة بخصوصياته الوطنية، آخذة بالأساليب الاستشراقية الناتجة عن نظرة سطحية مسبقة، ولم يكن للتونسيين القلائل المنتسبين إلى مدرسة الفنون الجميلة القدرة على تغيير سياستها الاحتوائية مما جعل بعضهم ينبذون أساليبها ويسعون شيئا فشيئا للتخلص من تأثيراتها السلبية على توجهاتهم الفنية متشبثين بمقومات ثقافتهم ساعين من خلال ممارستهم لفن الرسم الى إبراز مميزات عاداتهم و تقاليدهم الأصيلة النابعة من وسطهم المحلي , وكان يحي التركي و عبد العزيز ابن الرايس،  ومن بعدهما علي ابن سالم وحاتم المكي وعمار فرحات من أوائل الفنانين التونسيين الواعين الذين تفردوا بأشكال مختلفة عن نمطية الأساليب الاستشراقية المعهودة و التي هيمنت طوال الفترة الاستعمارية.

     عندما غادر برجول البلاد في موفى جوان  1966  بعد انتهاء مهمته كآخر مدير أجنبي لمدرسة الفنون الجميلة، كانت الرسامة صفية فرحات أول تونسية تتولى مسؤولية "تونسة" هذه المدرسة، فقد بادرت، بالتعاون مع نخبة من الأساتيذ والفنانين، بمراجعة برمجة المناهج التعليمية والسعي في تطهيرها شيئا فشيئا مما علق بها من أدران الاستعمار و مخلفاته السلبية ومحاولة تطويع هذه البرامج وتأقلمها مع الواقع التونسي الحي والمتطور نحو الأفضل.

     لقد كان لمدرسة الفنون الجميلة, التي ألحقت منذ سنة 1971 بوزارة التعليم العالي, الدور الناجع الذي ظهر أثره على الصعيد الوطني في تكوين النواة الأولى من  الفنانين ثم من الأجيال المتلاحقة من الرسامين و النحاتين و المعماريين و المصممين, هؤلاء الذين ملئوا بحضورهم الساحة الفنية  وساهموا بصفة فعالة في النهوض بالقطاع الثقافي في شتى مجالاته. 



                                                   (6)



                                                                                                     (7)

                        السيدة صفية فرحات مديرة مدرسة الفنون الجميلة بتونس (1966-1981)     




                                                    ساحة المعهد العالي للفنون الجميلة




1(  قبل أن يتخذ الطابق الأول  بدار ابن عياد مركزا للفن كان في أوائل هذا القرن مرسما للرسام الفرنسي " بيارجوردو" الذي يعد من أبرز مؤسسي معارض الصالون التونسي.
2( أنطوان فرجو:  ولد سنة 1876، تتلمذ على جستاف مورو, استقر بتونس بداية من 1910 و شارك في الصالون التونسي الى وفاته سنة 1949. قدم في المعرض الاستعماري الذي أقيم بمرسيليا سنة 1922 مجموعة من الديكورات البارزة تمثل نماذج مستقاة من الحياة التونسية العتيقة  (شوارع  المدينة  و باعتها  و حرفييها و نسائها الملتحفات باللحف البيض..).   
3( ألكسندر فيشي: (1881-1968)  نزل بتونس سنة 1902,  درس فن التصوير في  معهد  أميل لوبيو الصادقية و العلوية و قام بتزويق بعض المباني العمومية (قاعة البلمريوم و الكازينو البلدي ببلفدير), عين مسؤولا على قسم الرسم في معهد قرطاج و ترأس الصالون التونسي من سنة 1912 الى وفاته سنة 1968, و كان له نشاط مكثف في المسرح و الصحافة.
4( أنطونيو كوربورا (1909-2004): تونسي المولد من أبوين إيطاليين، درس بمركز الفن (1928), أقام مدة بإيطاليا فكان من الفنانين الأوائل الذين أنشأوا التجريد الهندسي (1934), ثم عاد الى تونس فكان من بين مؤسسي جماعة الأربعة (1936) ,وعضوا يجماعة العشرة (1947) ثم استقر نهائيا بايطاليا حيث كسب مكانة فنية معتبرة.
5( ( بيار برجول: فرنسي المولد (1897)، من قدماء مدرسة باريس للفنون. له مشاركات هامة في معارض تونسية وعالمية و باريسية على الخصوص.
6) تظهر الصورتان (6 و7) على غلاف جذاذة عنوانها " المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس بين الأمس و اليوم  1923-2008" صدرت بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس الجامعة التونسية.



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire