lundi 8 janvier 2018

محفورة على خشب تمثل السلطان الحفصي مولاي الحسن




            محفورة على خشب تمثل السلطان الحفصي مولاي الحسن


 "رحاب المعرفة" السنة 6- العدد 34، جويلية – أوت 2003 ص 304-308.

خالد الأصرم

                    
       إن من بين النصوص الكتابية والوثائق القديمة والآثار المادية التي يخلفها لنا التاريخ، والتي يعتمد عليها المؤرخون كمراجع أساسية لبحوثهم، مادة لا تقل أهمية عن هذه المخلفات، وأعني بها التصاوير والرسوم التي أبدعها مصورون ورسامون في زمن ما، تنقل لنا مشاهد عن حياة الإنسان في ذلك الزمان.
            
فقد اهتم المؤرخون العصريون بهذا الصنف المتميز بخصائصه عن الأصناف المعهودة من القديم، وأصبحت التصاوير والرسوم لديهم مرجعا ممتازا يستندون إليه أيما استناد في تحقيق دراساتهم، إذ يكشفون به عن جوانب تغفل عنها أحيانا النصوص المكتوبة ولا يمكن الظفر بها من غير ذلك الطريق.

ومن بين الأشكال التي تتضمنها تلك التصاوير والرسوم، موضوعات دينية أو موضوعات أسطورية أو التي تخلد الأحداث والوقائع التاريخية، وكل المشاهد المتنوعة التي من شأنها أن تعكس لنا بيئة الإنسان وكيفية عيشه وعقائده وعاداته.

ومنها ما يمثل ذوات الأفراد من الناس، وهو ما نعبر عنه بالتصوير الشخصي أو الذاتي، تميزت به فنون حضارات متوالية منذ أقدم العصور، وتطورت أساليبه على مر الأزمان، لا سيما منذ بداية النهضة الأوربية، إذ أصبح نمطا مستقلا له قواعده ورموزه وأساليبه (genre du portrait)، فهو يسجل المظهر الخارجي للأشخاص من خلال هيئاتهم وملامح وجوههم وكيفية ألبستهم والشارات والشعارات التي يتميزون بها، وكل العلامات التي تبرز أوصافهم الخلقية وتركز على صفات البطولة أو السلطة أو القدسية التي تتجسم فيهم، معبرة عن الجانب الذاتي والمادي من كيانهم، وفي الوقت نفسه عن القيمة المعنوية والفضائل المثالية التي يتحلون بها.
فإن تعلق اهتمامنا باقتفاء آثار رجالات من مشاهير بلادنا، ممن خلفوا ذكرا مجيدا أو لعبوا دورا بارزا في عهد من العهود، باحثين عن جوانب من حياتهم، فعلينا ألا نكتفي بما تدلي به التراجم و السير ومعاجم الأعلام من معلومات عنهم، وما تمدنا به النصوص التاريخية حولهم من إفادات، بل تكون مراجعة الوثائق التصويرية والرسومات الذاتية التي تمثلهم دليلا ماديا ملموسا يمكن أن يسعفنا بجزئيات دقيقة ويغذي مخيلاتنا، فتكون صورهم أعلق ببالنا وأبلغ في أذهاننا، حتى كأننا نشاهدهم مشاهدة حسية ونراهم رؤية العين، هذا إلى جانب ما يمكن أن تكشف لنا عنهم آثارهم المكتوبة  كما عنى المنصور بن عامر عند قوله:

آثاره تنبيك عن أخباره               حتى كأنك بالعيان تراه

وان ظل هذا النوع من تمثيل الأشخاص مقصورا على طبقة الأمراء و النبلاء منذ عهد النهضة الأوربية كما أشرنا فقد ازدهر بصفة عامة في كل الأوساط الشعبية مع اختراع الآلة الفتوغرافية. و للصورة الفتوغرافية في حد ذاتها وقع عميق و تأثير بالغ على النفوس, فهي تلتقط اللحظة وتثبت ملامح الشخص الغائب كأنه أمامنا ننظر إليه, قال بعض الأدباء معبرا عن هذا المعنى عند مشاهدته لصورة شخص مفقود:

أين من كان بيننا ثم أمسى              صورة جمدت على الأوراق
  
      
وإذا أجلنا النظر في التاريخ التونسي، يتراءى لنا أن هذا الصنف من تمثيل الذوات, سواء أكان في شكل رسم أو صورة, قد بدأ رواجه نسبيا مع تواجد الآلة الفتوغرافية و مجيء بعض الفنانين الأوربيون الى تونس في نهاية القرن التاسع عشر, بحيث يمكن أن نكون رصيدا معتبرا من تلك الوثائق العائدة لهذه الفترة في حين أننا لا نجد منها فيما يخص القرون السابقة إلا نزرا يسيرا وقليلا نادرا.

ولو رجعنا أدراج التاريخ، عثرنا على رسم ذاتي للسلطان الحفصي مولاي الحسن، وهي أقدم وثيقة لدينا من مجموعة أمكننا جمعها من نسخ مرسومة تتعلق بالشخصيات التونسية من الذين برزوا في ميادين شتى من الحياة السياسية أو الحربية أو الفكرية، ممن تركوا أثرا محمودا أو ممن ساءت سيرتهم، وقد قيل:

المرء بعد الموت أحدوثة                يفنى وتبقى  منه  آثاره
فأحسن الحالات حال امرئ              تطيب بعد الموت أخباره

والمولى الحسن هو السابع والعشرون في سلسلة سلاطين بني أبي حفص، بويع سنة 1526 بعد وفاة أبيه أبي عبد الله محمد -  وأبو عبد الله هذا هو الذي تنسب إليه المكتبة العبدلَيَة التي كان أسسها بجامع الزيتونة - قال عنه ابن أبي دينار في "المؤنس" أنه "كان فطنا ذكيا فصيحا محبا للخير وأهله معتقدا في الصالحين") 1) إلا أنه تولى و الدولة في وهن,  وعده في ختام بني أبي حفص معتبرا من بعده من الذين أعقبوه "اسما لا رسما".

وقد كانت أيام ابنه الحسن كما نعلم أيام محن واضطرابات، قدم فيها خير الدين بربروس باشا قائد الأساطيل البحرية للخلافة العثمانية إلى تونس واستولى على حصونها، فاستصرخ الحسن الإمبراطور شارل الخامس, )2( فوجد منه أذنا صاغية، إذ كان يحاول صد التوسع العثماني.

وآل الأمر إلى انتصاب الحماية الإسبانية التي عانت منها البلاد أشد البلاء وأفظع الويلات مما ينبو عنه السمع كما حفظته لنا صحائف التاريخ.


                     
              
     "مولاي الحسن, سلطان تونس", محفورة من إنجاز باولس بنتيوس و نيكولاوس فندر هرست


والصورة التي بين أيدينا انتقيناها من كتاب أرتر بلاقران (Arthur Pellegrin) "التاريخ المصور لمدينة تونس", )3) وهي عبارة عن محفورة على خشب يلوح فيها السلطان بارز الوجنتين، آدم اللون، غليظ الشفتين، أخزر، أي به بعض حول في عينيه، ينظر إلينا بمقدم عينه اليمنى ومؤخر عينه اليسرى، ويبدو أشيب اللحية، أسود الشارب والحاجبين، وكانت سنه آنذاك تناهز الخامسة والأربعين، قد اعتم بعمامة ذات لفتين تغطي قلنسوته، مسدلا ذؤابتها ومطوقا بها رقبته، يكسو بدنه معطف فضفاض مشدود بأزرار يحمل تجاعيد وطيات، وقد أرخى على كتفه الأيمن إلى جنبه الأيسر شريطا من حرير ومسك بقائم سيف تدلت منه شراريب. ومما يصف به برنشفيق (Brunschvig) مولاي الحسن، في كتابه "بلاد البربر الشرقية في عهد الحفصيين"، (4) أنه كان يعرف بذؤابة عمامته المغطية لأسفل وجهه، وهي علامة خاصة لسلاطين بني أبي حفص، وكذلك خزرة عينيه كما يؤكد ذلك برنشفيق نفسه نقلا عن المؤرخ باولو جيوفبو (Paolo Giovio) مؤلف كتاب "تواريخ"، الذي قال عن الحسن "هو رجل عمره خمسة وأربعون سنة ذو عينين غريبتين". (5)

والذي قام بإنجاز هذه المحفورة هو بولس بنتيوس ((Paulus Pontius) (6( ، كان من أبرز المختصين في فن الحفر في القرن السابع عشر، وكثيرا ما ألف أعماله الفنية بمراقبة أستاذه الشهير بياترس- بولس روبنس (Pietrus-Paulus Rubens) (1577-1640)، إذ عمل في مرسمه بأنفر (Anvers)  ببلجيكا من سنة 1624 إلى سنة 1631، وقد استنسخ بنتيوس هذه المحفورة عن رسم زيتي يمثل السلطان الحفصي بريشة الفنان فندر هرفت (Vander Harft) ، الذي ينتمي إلى مدرسة البندقية، وأغلب الظن أن تكون لوحة هرفت من ممتلكات متحف الجزائر العاصمة.

             
  (1)

(2)

      محفورة (1) مستنسخة من لوحة زيتية (2) لعلها موجودة في متحف الجزائرالعاصمة ? تمثل السلطان الحسن الحفصي




ولا شك أن هرفت قد كان استوحى هو بدوره رسمه من محفورة من وضع جان كورنلتز فرماين (Van Cornelisz Vermeyen) (1500-1559) مثل فيها السلطان عن مشاهدة ، وهو العمل الأصلي الذي نقل منه هرفت رسمه، ومن المرجح أن فرماين قد التقى في مخيم شارل الخامس قرب قرطاج بالحسن الحفصي وابنه أحمد، فرسم لهما رسمين كما رآهما مدة إقامته الاستطلاعية بتونس التي قضاها ما بين 16 جوان و 17 أوت سنة 1535، و قد كان مع الوفد الذي استصحب شارل الخامس من فنانين وشعراء وكتاب في الغزوة التي شنها هذا الامراطورعلى تونس، فقد كلف فرماين بصفته مصورا رسميا بالبلاط الملكي بتسجيل وقائع الجيش الإسباني، فقام بتخطيط نماذج من الأسلحة والألبسة والمناظر الطبيعية ومشاهد عن الحياة التونسية من ضمنها لوحة رسم فيها مولاي الحسن، مفقودة الآن, توجد نسخة منها محفوظة بفهرس متحف باولو جوفيو(Paulo Jovio) بمكتبة فلورنسا  (Office de Florence) , ومحفورتان أخريان من وضع فرماين, إحداهما للحسن الحفصي على لوحة من خشب, و الثانية لأحمد بن الحسن على ورق النحاس.

                                                                                      
                              
"مولاي الحسن, سلطان تونس", لوحة زيتية من إنجاز فرماين

           

"مولاي الحسن سلطان تونس",  مكتبة فلورنسا


والذي يلفت انتباهنا هو أن محفورة بنتيوس قد أنجزت مائة عام تقريبا بعد محفورة فرماين التي كانت المرجع الأول لطائفة من الفنانين استلهموا منها ذات الحسن ونقلوها في بعض لوحاتهم، منهم هرفت وبنتيوس كما قدمنا، ومنهم بعض رسامين آخرين ينتمون مثل بنتيوس إلى المدرسة الفلمنكية  (Ecole flamande) (وكانت فلندرة وقتئذ مقاطعة تابعة لحكم الامبراطور شارل الخامس)، أرادوا تمجيد شخصية الامبراطور في لوحاتهم فرسموا معه تابعيه من ملوك المستعمرات المنضمة إلى  ممالكه الشاسعة، ومن بين هؤلاء الحسن الحفصي.

وقد اعتنى بيار بول روبنس، أشهر فناني المدرسة الفلمنكية، برسم مولاي الحسن في بعض أعماله التي أنتجها أوائل القرن السابع عشر، منها ثلاث لوحات ورسم أولي، وكذلك لوحة رائعة محفوظة بمتحف الفنون الجميلة ببستون بالولايات المتحدة.



  
                                     
     "مولاي الحسن", لوحة زيتية من عمل بيار بول روبنس, حوالي 1609, متحف الفنون الجميلة, بوستون
 

ومن الغريب أن روبنس قد عمل في استنساخ ذات السلطان بصفة جعلت وجهه يبدو مقلوبا بالنسبة لرسم فرماين، وهي نفس الطريقة التي اتبعها تلميذه بنتيوس في محفورته، حيث نرى فيها وجه السلطان في اتجاه مخالف لما هو عليه في عمل فرماين الأصلي.

وهناك أيضا لوحة ضخمة أخرى نجد في جانب من جوانبها شخص الحسن:  "تنازل شارل الخامس عن الملك", و هي من تأليف فرانس الثاني فرنكن (Frans II Francken) (1642-1581) الذي ينسب إلى عائلة فنية عريقة، إذ كان أبوه فرانس الأول أستاذا له وكان ابنه فرانس الثالث رساما مثل أبيه وجده، ينتمون ثلاثتهم إلى المدرسة الفلامنكية، وكان روبنس نفسه من أصدقاء فرانس الثاني تعرف عليه عند إقامتهما بإيطاليا. واللوحة موجودة الآن بمتحف رجكس (Rijksmuseum)  بأمستردام  بهولندا، يشاهد فيها السلطان الحفصي واقفا في نفس الهيئة التي نجده عليها في رسم فرماين، وقد التفت بصفة واضحة عن يمينه مصوبا نظره نحو الامبراطور كناية عن تبعيته له.

ولفرماين كما أشرنا، زيادة على المحفورتين اللتين تمثلان مولاي الحسن وابنه أحمد، جملة من الرسوم خطها على عين المكان عند مجيئه لتونس، كانت المنطلق في إعداده عند رجوعه لإسبانيا لسلسلة من الأعمال التمهيدية التي تمجد وقائع الحملة الإسبانية، وقد نقلها قيوم بنماكر (Guillaume Pannemaker) فيما بعد في اثني عشر من الحائطيات المطرزة قام بإنجازها في ورشته ببروكسال بين سنة 1548 و1554، وهي الآن بمتحف فيانا الفني-التاريخي (Kunsthistorisches Museum) ، وقد نجح  بنماكر في عمله هذا نجاحا كبيرا أدى إلى إعادة صنعه، إذ توجد منه مجموعة ثانية نسجت في القرن الثامن عشر، محفوظة في القصر الملكي بمدريد، وهناك مجموعة ثالثة نسجت في نفس القرن بإسبانيا، نجدها اليوم بقصر إشبيلية.

ومن المؤكد أن الأعمال التونسية التي تركها  فرماين  تحظى اليوم  بقيمة توثيقية, فقد ورد ذكرها في بعض الدراسات المتناولة لحياة هذا الفنان ونتاجه الفني،  نص عليها جان- بيار فتو (Jean Pierre Vittu) في مقالة جد هامة تحت عنوان "جان كرنلتز فرماين مصور تونس"، (7) فهي تطلعنا بصفة بينة على مناظر الطبيعة التونسية وتخطيط بعض الأماكن والأحياء وأشكال الأسلحة والألبسة العتيقة وبعض جزئيات دقيقة أخرى كما كانت عليه في نهاية العهد الحفصي والتي لا نجد أي أثر لها في المتاحف و أي معلومات عنها ولو قلت في كتب التاريخ.


                      
  
             
                   فرماين, مشهد من"حملة شارل الخامس على تونس", رسم على ورق مقوى


وأما بالنسبة للمحفورة الأخرى التي سجل فيها فرماين ذات أحمد بن الحسن، فيظهر فيها أحمد في مظهر نصفي أمام أقواس الحنايا قرب قرطاج، وكان ذلك قبل توليته سلطانا على تونس في أيام أبيه مولاي الحسن قبل خلعه سنة 1543، وقد حكى صاحب المؤنس أن أحمد لما قعد للملك ظفر بأبيه فوبخه على أفعاله الشنيعة وما كان منه في إباحته للنصارى اغتيال الأنفس ونهب الأموال وتخريب البلاد، حتى قال له في ما قال: "خالفت مسماك الحسن "! وحبسه وسمل عينيه، وما فتئ أن اضطر أحمد بدوره للاحتماء بالإسبان عند حلول صاحب الجزائر علي باشا التركي بتونس، لكنه سرعان ما تخلى عن الملك لأنه أنف من مقاسمة الحكم بينه وبين الإسبان، فخلفه أخوه محمد بن الحسن وقبل مشاطرة القائد الإسباني في الحكم، إلى أن قدم أسطول الوزير سنان باشا، وذلك سنة 1573، فاحتمى الإسبان في حصن حلق الوادي ("الباستيون") و معهم محمد بن الحسن ثم لجئوا الى صقلية، وأخذ محمد بن الحسن وحمل إلى السلطان العثماني سليم الثاني فاعتقله وزالت بزواله الدولة الحفصية التي دامت مدة ثلاثة قرون وستة وستين عاما.
                                         
                   
    

             فرماين, "أحمد بن مولاي الحسن", محفورة على ورق النحاس, متحف بواجمنس فان باننجن


                              

"مولاي أحمد بن الحسن", متحف فيانا


ومما أفاد به أرتور بلاقرن عن نهاية الحسن في كتابه "تاريخ تونس من البداية إلى اليوم", (8) أنه بعد أن وقع في قبضة ابنه أحمد، التجأ إلى برج حلق الوادي، ولما يئس من نجدة الإسبان، ركب البحر وقطع البلاد الإيطالية، وهو مكفوف البصر، والتقى في شهر ماي 1548 بشارل الخامس بأوقسبورق (Augusbourg) الواقعة قرب مونيخ بألمانيا، فأرسل الإمبراطور معه طائفة من السفن الحربية بإمارة القائد الجنوي أندريا دريا (Andria Doria) الذي استولى على مدينة المنستير، وما لبث الحسن أن لقي حتفه في المخيم الإسباني عند حصار المهدية، إذ أصيب بالحمى الخبيثة (fièvre maligne)، ويقال أيضا إنه مات مسموما، وذلك في شهر يوليو 1550.

والذي ذهب إليه صاحب المؤنس أن الحسن "مات بالقيروان لأنه مقبور هناك", يقول ابن أبي دينار: "وقفت على ورقة بخط الشيخ بركات الشريف يذكر فيها أن السلطان الحسن هرب إلى بلاد النصارى وهو أعمى وأتى بعمارة لأخذ المهدية فمات في البحر فأنزل إلى البر ورفعوه إلى القيروان فدفن بها والله أعلم بحقائق الأمور، ويمكن أن يكون فر من القيروان بعدما أقام بها وهذا هو الأصح لأن إقامته بالقيروان معروفة بين الناس". (9).

ومما حكاه ابن أبي دينار قصة مؤثرة عن هذا السلطان المخلوع ومآله الوخيم، قال: "دخل عليه أولاد الشيخ عرفة صاحب القيروان في بعض الأيام وأتوه ببربط وهو عود الملهاة وقالوا له – نريد أن تسمعنا من غنائك بالعود – وألزموه ذلك استخفافا به فأخذه وجسه بيده وقد كبر عليه إقدامهم بما لا يليق بمثله فأنشدهم البيت الشهير بين الناس:

        وكنا  أسودا  والرجال  تهابنا               أتانا زمان فيه نخشى الأرانبا

و ألقى العود من يده وأجهش بالبكاء في وجوههم فخرجوا من بين يديه لا يدري أحد أين يضع قدمه فسبحان المعز وسبحان المذل." (10)

                                      
                                                                                            

فرماين, "مولاي الحسن في وليمة عشاء", 1535




1 (محمد الرعيني بن أبي دينار، المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، المكتبة العتيقة، تونس، 1967، ص 161.
2) شارل الخامس (شارلكان) (1500-1558) امبراطور ألمانيا وملك اسبانيا بسط سيادته على اسبانيا وبلاد فلاندرة والنمسا وألمانيا، حارب الأتراك ثم زهد في العالم ودخل الديرومات متنسكا.
3( ( أنظر: Arthur Pellegrin,Histoire illustrée de Tunis, Tunis, 1955 (p 1.XII)
4( أنظر : Robert Brunchvig, La Berbérie orientale sous les hafsides, des origines à la fin du XVe siècle, Paris, 1947
5( أنظر: Paolo Giovio (Paul Jove), Histoires (1550-1552), histoire de l’Italie de 1495 à 1547 ; Robert brunschvig, op-cit,II.
6( بولس بنتيس (Paulus Pontinus) أو (Paul Ponce)، ولد بأنفر ومات بها  (1603-1658)، كان تلميذا لأسيس برت (Osias Bert سنة 1616 ولوقس فرستر من (Lucas Varsterman) ، وقد حقق عدة محفورات نسخ فيها أعمالا فنية لأستاذه روبنس.
7) أنظر : Jean-Pierre, Vittu Jan Cornelisz Vermeyen, peintre de Tunis en 1535,, in « IBLA », 1977/2, pp.243-267، 
8 ( انظر: Arthur Pellegrin, Histoire de la Tunisie depuis les origines jusqu’à nos jours, librairie Namura, Tunis, 1948, pp.140-141.
9 ( ابن أبي دينار، ذكر آنفا، ص 168.

10( نفس المرجع، ص 167-168.

حركة الاستشراق في فن الرسم وعلاقتها بتونس قبل عهد الحماية



    حركة الاستشراق في فن الرسم وعلاقتها بتونس قبل عهد الحماية


"الموسوعة التونسية"، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، الجزء الأول، مارس 2013

 خالد الأصرم       

خلافا لما كانت تحظى به بلاد مصر والجزائر والمغرب، طوال القرن التاسع عشر، من إقبال وشهرة لدى الوافدين من أهل الأدب والفن من المستشرقين، لم تستقبل تونس من جهتها إلا النزر اليسير ممن عرجوا عليها أثناء طريقهم ذهابا أو إيابا إلى بلاد المشرق[1]. وإذ لم تكن في ذلك الحين علائق وطيدة من شأنها أن تربط بين بلدان أوربا والقطر التونسي و تجعل منه مسلكا للمارين وموردا للزائرين، فقد كان حدث انتصاب الحماية الفرنسية عام 1881 منطلقا لاتجاه الأنظار إلى هذه الرقعة من شمال إفريقيا وانضمامها إلى الآفاق الشاسعة لعالم الشرق الذي كان يكرع منه الأدباء والفنانون الغربيون يستلهمون منه مواضيعهم ويغذون به خيالهم.

لقد تسببت حملة بونابارت على مصر، منذ البواكير الأولى من القرن الماضي، ثم احتلال الجزائر (1830) وزيارة ديلاكروا إلى المغرب الأقصى (1832) في انجذاب عدد هام من الفنانين قصدوا هذه الربوع لغرض الاستطلاع على معالمها وعوائد أهلها واستكشاف مناظرها الطبيعية، فحركت عواطفهم وبعثت فيهم أحاسيس جديدة في وقت سئموا فيه الموضوعات المأخوذة من الأساطير والخرافات الإغريقية والوقائع التاريخية القديمة، فكان أول ما حولوا أنظارهم نحو بلاد مصر التي أصبحت سواء بالنسبة لطائفة من اللذين ارتحلوا إليها أو بالنسبة لبعض من الذين لم يغادروا آنذاك وطنهم، منهلا خصبا صقلوا به شعورهم وأذكوا به حماستهم، فاستنبطوا من خلال ما لاحظوا فيها أو جمعوه من معلومات عنها مشاهد بطولية وملحمية لقائدهم بونابارت وبسالة عسكره في معاركه ضد جيش المماليك، وسط هذا المحيط غير المألوف لهم بمناخه وعمرانه وهيأة أهله، حيث تمتد رمال الصحراء بنخيلها و أهراماتها وتبدو الأسلحة المنمقة والألبسة المزركشة والخيول المسرجة والجمال بهوادجها وكل ما يدعو إلى الغرابة ولم يكن معهودا عندهم، فنتج عن ذلك رسوم تميزت بالحركية والخطوط الملتوية و الألوان البراقة، تزخر بمزيج من معاني الحمية والشجاعة والبسالة والإقدام والفروسية والبطش والشدة ، جاءت مغايرة تماما لما كانت عليه أسلوبية "الكلاسيكية الحديثة" من أشكال صلبة وألوان باهتة وقوالب شكلية جامدة منقولة عن مقاييس الجمالية اليونانية-الرومانية التي مجَها الرسامون بعد طول ممارسة، فكانت هذه الرسوم الاستشراقية المبكرة تمهيدا لظهور التيار الرومنسي ودافعا من دوافع تكوينه وسبيلا لتحريره من قواعد الرسم الاتباعي الأكاديمي[2].

على أن حملة مصر التي سرعان ما انتهت بإخفاق بونابرت أمام أسوار عكا، بالرغم من أنها فتحت مهيع عجائب الشرق أمام الفنانين، لكنها لم تتوصل بصفة قطعية إلى عقد صلات وثيقة ودائمة بين هذا العالم وأوربا كما وقع التوصل إليه بعد التوسع الاستعماري الذي تغلغل في أصقاعه النائية، فكان للاستيلاء على الجزائر وقع هام أعطى لحركة الاستشراق نفسا جديدا ومغامرة واسعة النطاق، إذ ما انفك الرسامون في زمن أصبحت فيه السياحة منظمة وميسورة ووسائل النقل موفورة يترددون على هذه النواحي يطوفون في كامل أرجائها مدنها وصحاريها[3]، لكن اصطدامهم مع واقع ذلك العالم ومعطياته الصحيحة لم تمنع هؤلاء الرسامين من إطلاق العنان لمخيلاتهم، التي كانت تذكيها الطرفة وتكشفها الموهبة الفنية، فكان الزائر لهذه الربوع ليست غايته التطرق إلى الواقع المحسوس ومحاولة إدراكه وفهمه عن كثب، ولكن البحث في تلك الصورة المسبقة، الراسخة في ذهنه، الانتقائية والزائفة، الموجودة لديه، والتي تختلف تمام الاختلاف مع وضعية ذلك العالم وحقيقته التي كان عليها. 

و قد بلغ تيار الاستشراق ذروته مع احتلال الجزائر، لكنه لم يكن ليغمر تونس قبل انتصاب الحماية عليها، كما أسلفنا، حتى أن حامل لواء الرومنسية أوجين ديلاكروا، عندما أقام في المغرب الأقصى طيلة ستة أشهر وتجول في أنحائه، لم تطأ قدمه أرض تونس ولم يبعث به حب اطلاعه على مواصلة السير إلى هذه الجهة الشرقية من المغرب الكبير، في حين أنه مر أثناء رجوعه من سفرته على الجزائر العاصمة حيث استطاع، بتوصية خاصة، الدخول في حريم ( وهو المكان في البيت يكون محجوزا للنساء)، فكانت لوحته الرائعة "نساء من الجزائر" (صالون 1834) نتيجة تلك الزيارة. غير أن علاقته الوحيدة مع تونس، إن كانت هناك علاقة، تتمثل في الرسم الذاتي الذي تركه لمحمود ابن عياد وكيل الباي (الذي اختلس من الحكومة كما نعلم أموالا طائلة وفر إلى باريس وتجنس بالجنسية الفرنسية)، حيث يظهر ابن عياد بلباسه الفاخرعلى نحو ما كان يرتديه آنذاك قواد خيالة العروش, وقد اعتم ولف على رأسه وكتفيه برنسا أبيض مخططا، ماسكا بيده سبحة و متقلدا سيفا، ويبدوواقفا على رصيف مرفإ مطل على عرض البحر تحده بعض الحصون، وعلى الجانب الأيمن منه مرساة قارب ملقات على الأرض, وهذه اللوحة البديعة مما عرض بباريس في معرض مئوية الاستيلاء على الجزائر سنة 1932.


                                                
أوجان ديلاكروا: "صورة ذاتية لمحمود ابن عياد (1805-1880), زيت على قماش


وإذا تصفحنا أدلة صالون باريس التي تسجل قائمة الأعمال المعروضة فيه كل سنة، فإننا قلما نجد ما يكون له انتماء لتونس من جانب الموضوع، رغم وفرة الأعمال الراجعة إلى بقية أقطار المغرب، إذ لم تعرف تونس نفس الذيوع الذي عرفته هذه الأقطار، ناهيك أنه خلال فترة ما بين 1830 و 1880 لم نضبط سوى نحو من عشرين لوحة عرضت بصالون باريس كان لها بصفة مباشرة أو غير مباشرة بعض مساس بتونس، منها ما هو عائد إلى مدينة قرطاجة البونيقية، ومنها ما يهم حياة بعض رجال المسيحية ممن ساقهم القدر إلى هذه البقعة، ومنها ما هو مجرد رسومات تخطيطية لمبان معمارية لها قيمة توثيقية لا غير، فهي في معظمها أعمال تلتحق بالموضوعات ذات المحتوى التاريخي، التي كانت كثيرة التداول في الرسم الأكاديمي، وكانت الغاية منها التنويه بماضي فرنسا المجيد والتذكير بخصال بعض من رجالاتها، لم يأت ذكر لتونس فيها إلا عرضا، إذ لم تكن تونس في حد ذاتها الهدف الرئيسي لمواضيعها والعنصر الأساسي لمحتوياتها.

ونكتفي بالإشارة الى أشهر هذه الأعمال. وأول ما نعثر عليه لوحة من ممتلكات متحف اللوفر للبارون قيران (Baron Guérin)  عنوانها  "اينياس يحكي لديدون عن فجائع طروادة" (صالون 1817)، نشاهد فيها ديدون وهي عليسة ابنة تيرون ملك صور التي هاجرت إلى إفريقيا وأسست بها قرطاجنة، وقد اتكأت على سرير تصغي إلى حديث الأمير اينياس أحد أبطال حرب طروادة، الذي فر ناجيا بنفسه بعد أن حاصر الإغريق مدينته لمدة عشر سنين ثم تمكنوا من التسرب إليها باستعمال حصان خشبي ضخم اختفى فيه جمع من المحاربين. (قال فرجليوس شاعر رومة عن هذا الأمير أنه لما مكث في ضيافة عليسة ملك شغاف قلبها وأحبته حبا شديدا، لكنه اضطر بأمر من جوبيتار سيد الآلهة بالتخلي عنها والذهاب إلى إيطاليا لتأسيس امبراطورية بها، فحزنت عليسة واعتلت حتى أسلمت روحها). وقد تضمنت اللوحة بعضا من الأثاث والزخارف كأنها شبه علامات توحي بمكان المشهد والزمان الذي يدور فيه، وهو قصر الملكة ديدون بمدينة قرطاجنة في نهاية القرن التاسع قبل الميلاد كما تخيلته ريشة الرسام[4].




البارون قيران: ديدون و اينياس ( صالون باريس 1817) متحف اللوفر

فمن بين عدد كبير من الأعمال التي عرضت في صالون باريس  لا نصادف ما من شأنه أن يذكرنا من قريب أو من بعيد بتونس إلا في سنة 1833، عندما قدم ف. قراني (François Granet) مجموعة من اللوحات ذات مواضيع مسيحية، منها "الآباء الفداة (pères de la rédemption Les) يسترجعون أسرى من تونس"[5] التي تعكس لنا ما كان يقوم به القساوسة المبشرون من سراح أسرى القرصنة وردهم إلى بلادهم، وهو عمل لا يتعدى الطريقة الأكاديمية المتبعة آنذاك في مدارس الفن الرسمية والورشات، أتى على نسق قواعد الكلاسيكية الحديثة التي كان قد تزعمها لويس دافيد أستاذ قراني، وفي نفس السياق جاءت لوحة ف. ليبول (Fançois-Gabriel Lépaulle) "صانت فانسون دي بول أسير بتونس" (صالون 1834)، وقد قبض القرصان على هذا القديس في بداية القرن السابع عشر إثر حصوله على لقب الكهنوت وساقوه إلى الحاضرة التونسية، نراه في هذا المشهد سجينا مكبلا في القيود حيث قضى نحوا من عام قبل رجوعه إلى بلاده. وكذلك لوحة "صانت لويس على أطلال قرطاج" (صالون 1844) لقودان [6](Théodore Gudin)  ,الذي اشتهر بمشاهده البحرية, و تمثل هذه اللوحة ذكرى نزول لويس التاسع ملك فرنسا بأسطوله على شواطئ قرطاجنة، في الحملة الصليبية الثامنة التي شنها على إفريقية، حيث لقي حتفه كما يذكر المؤرخون إثر إصابته بوباء  الزحار العصوي الذي اجتاح جيشه سنة 1270. وقد قاد قبلها الحملة الصليبية السابعة على مصر، والتي مني فيها بالهزيمة، إذ اعتقل وافتدى نفسه ومن معه من الجنود بغرامة مالية فادحة.
غير أن هذا الملك القديس الذي كان معروفا بزهده وورعه، قد ترك في نظر الغرب صورة البطل الشهيد الذي ضحى بحياته من أجل محاربته لأعداء ملته، وقد أعطته من الشهرة ما لم يعطه أبهى انتصار رغم ما كان مني به من فشل ذريع.
وقد حصلت الحكومة الفرنسية في مدة الباي حسين الثاني على رخصة لتشييد شابلا (كنيسة صغيرة) في المكان الذي يرجح أنه مات فيه هذا الملك، بنيت على عهد المشير أحمد باي، وكانت متواضعة الحجم مثلما تبديه لنا لوحة قودان "منظر لشابلا صانت لويس بقرطاج" (صالون 1844)، وقد عرض ش. جوردان (Charles Jourdain) المهندس الذي قام بتصميمها، جملة من الرسومات المبسطة لكل مقسماتها في صالون 1850. وفي سنة 1890 هدمت هذه الشابلا وأقام الآباء البيض عوضها الكتيدرائية الضخمة، على أسلوب بيزنطي- مغربي والتي تقع الآن ملاصقة لمتحف الآثار القومي بقرطاج.(7)

                           
   
                                       صورة فتوغرافية لشابلا صان لويس (1888)



                                                           شابلا صان لويس و مدخل متحف قرطاج, 1885, (تصوير ألبرت رقم 1 68)


     
                                شابلا صان لويس و من ورائها يظهر متحف الآباء البيض, 1902  





وفي ما تبقى بضعة من المشاهد التونسية التي عرضت بالصالون الباريسي، جلها رسوم مائية وتخطيطية ليست لها في حد ذاتها أهمية كبيرة، نذكر من بينها: "سوق بالربض الجنوبي لمدينة تونس" (1845) لف. فاشيرو  (Ernest-Francis Vacherot)  و"منظر من تونس تحت تأثير طلوع الشمس" (1848)  لجوانفيل (Edmond Joinville) و"صراف المال التونسي" (1858) و"جمع من البدو يستمعون إلى مغن بتونس" (1895) وكلاهما لف. بارمنتيMarie-Félix Parmentier). (7)

و ما نستنتجه أن الأعمال ذات المواضيع التونسية البحتة كانت نادرة جدا، ونرجح أن أهم سبب لذلك هو أن اقليم تونس لم يكن يحتل في نظر المستشرقين المكانة الخاصة التي يحتلها غيره من أقاليم المشرق والمغرب العربي. حتى أن المعرض "الكلنيالي" الاستذكاري الذي أقيم سنة 1906 بمدرسة الفنون الجميلة بمرسيليا، لم يحتوي إلا على لوحة واحدة تتعلق بتونس، وهي لوحة "سوق تونسية" للرسام المرسيلي  ف. براست (Fabius Brest[8].

 بقي السبيل الوحيد إلى تعرف الرسامين على البلاد التونسية، قبل فرض الحماية عليها، ما ترويه بعض المصادر من كتب الرحلات أو الموارد الأدبية التي تتضمن غالبا أخبارا يلعب فيها الخيال دورا مهما. فمن ملحمة "الأنياذة" (29-19 ق م) لفرجليوس، أعظم شعراء رومة، إلى قصة "صلامبو" لق. فلوبير التي أتم تأليفها بعد إقامته لمدة شهرين بقرطاج وزيارة معالمها الأثرية (1858)، تتراءى لنا هذه التخوم لجنوب البحر المتوسط، من وراء رؤية غريبة ساذجة، في إطار "بربري" "متوحش"، كأنها مسارح يرتع فيها أخلاط من المحاربين الشداد والفرسان الأفظاظ والبدو الغلاظ والنساء المقصورات في خدورهن، تدور فيها المعارك الدامية وتبرز فيها غرائز السطوة والقسوة والعنف، شحذت منذ أمد بعيد مواهب الكتاب والفنانين. فكانت تونس بدورها ملجأ لما يخالج ضمائرهم من النشوة والشهوانية، يجسمون فيها أحلامهم ويلبون فيها رغباتهم وكل ما تتوق إليه أنفسهم ولا يجدونه في واقعهم، وقد جسم لنا هــ. بارون (Henri Baron) هذه الخواطر والاحساسات المثيرة عندما قدم لنا صورة لابنة الباي التي فوجئت من وراء الاستار، حسبما تزعمه القصة، من طرف أحد حراس القصر، عند اختلائها بعشيقها الجنرال يوسف، الذي دبر مكيدة اختطافها واللجوء بها إلى معسكر الفرنسيين عند اجتياحهم أرض الجزائر، نراها وقد بدت على وجهها قسمات الغضب، ماسكة بخنجر مستعدة للدفاع عن نفسها والذود عن حبيبها الذي ركن إليها.[9]



الجنرال يوسف و ابنة الباي, محفورة من إنجاز  قايل (H. GEILLe) أعاد بارون رسمها و عرضه في صالون باريس.


      حتى أن هذه التصورات الوهمية من الأخذ بالثأر والصولة والهمجية الملصقة بعالم الشرق عامة لم تزل راسخة إلى منتهى القرن الماضي في أذهان الكثيرين، مثلما نرى من خلال لوحة ق.سوراند (Gustave Surand) "مجزرة البربر من طرف حنبعل" (صالون 1896) التي تشخص انتقام القائد الصنديد من الفرسان البربر الذين خانوه بموالاتهم لجيوش رومة، والانضمام إليهم في الحرب البونيقية الأخيرة التي ختمت بهزيمة حنبعل بجامة سنة 202 ق م، وتنازل قرطاجنة فيما بعد وتسليمها في أيدي الرومان، وتخريبها سنة 146 ق م على يد سيبيون الإفريقي.
   



[1]  من أشهر الأدباء الذين نزلوا بتونس دي شاتو بريان الذي قضى بها شهرين في بداية سنة 1807 بعد أن أدى زيارة إلى فلسطين، وحكى عن مراحل سياحته في كتابه "مسلك الرحلة من باريس إلى القدس"، ودوماس الذي مكث ستة أيام  بمدينة بنزرت والعاصمة (نوفمبر 1846)، وكان مصحوبا بالرسامين جيرو وبولانجي لكنهما لم يتركا عن هذه الرحلة على ما يبدو غير رسوم تخطيطية قليلة طبعت في كتاب دوماس "انطباعات سفرة لوفيلوس أو طنجة، الجزائر وتونس" (نشر سنة 1855).
أنظر :
Abdejelil karoui, « La Tunisie et son image dans la littérature française du 19e siècle  20è (1801-1945), STD, Tunis, 1975, p .                                             moitiéet de la 1ère 
[2]  من بين الفنانين الفرنسيين الذين استوحوا من مصر مشاهد للوحاتهم البارون ليجين (Lejeune)، وكان ضابطا في جيش بونابارت بمصر، قدم "معركة أبي قير (صالون 1804) و"معركة الأهرامات" (صالون 1806) ونحي نحوه البارون قرو (GROS) الذي قدم كذلك "معركة أبي قير" (صالون 1806) و"معركة الأهرامات" (صالون 1810).
[3]  من أشهر الرسامين اللذين قدموا الى الجزائر ت. شاسيريو (Théodore chassériau) الذي أقام في مدينة قسنطينة (1845) وأ. فرمونتان (Eugène fromentin) الذي زار عدة مرات الجزائر وتجول في أنحائها وصحرائها.

[4] هناك خطأ تاريخي فادح وقع فيه فرجليوس في ملحمته "الأنياذة" التي تروي لنا لجوء الطرواديين إلى إيطاليا وتأسيسهم لرومة، إذ جعل إينياس معاصرا لديدون، في حين أن حرب طروادة وقعت في القرن الثاني عشر ق م، بحيث تكون سابقة لمجئ   ديدون بما يقرب من ثلاث مائة سنة ولم يتفاد هذا الخطأ من بعده أجيال من الأدباء الغربيين، وارتكب قيران نفس المفارقة التاريخية في لوحته هذه.
[5]  الآباء "الفداة" (Les pères de la rédemption) فرقة من رجال الكنيسة ينتمون إلى جمعية الرهبانية التي أسسها الإيطالي ألفونس دي ليقوري سنة 1732 وكانت مهمتهم التبشير ونشر تعاليم المسيحية في صفوف العامة من الناس والتكفير عن سيئاتهم، ومن جملة ما يقوم به المبشرون اطلاق سراح أسرى النصارى وفك عراهم من قيود السبي لا سيما في عصر كانت فيه لصوصية البحر ضربا من الإتجار.
[6]  خلف لنا قودان جملة من أعمال استشرافية منها "معركة بحرية بحلق الوادي 24 جوان 1665 (عرضت في صالون 1846) وهو تلميذ جيرودي تريوزون Girodet Terioson الذي تميز  بالكلاسيكية الحديثة وفي الآن نفسه بميول في أسلوبه نحو الرومانسية وهو صاحب لوحة "عصيان القاهرة" (1810) الموجودة بقصر فرساي.
7) أرسل مستودع الأثاث (Garde-meuble) بباريس تمثالا من حجر لصان لويس يبلغ طوله ثلاثة أمتار, و قد تم نقله من ميناء حلق الوادي و العروج به الى ربوة بيرصا بقرطاج بعد عشرين يوما من الصعوبات و العناء الشديد ثم وضع في محراب الشابلا, و في ذلك الحين صدرت برقية من باريس تعلم بأن التمثال الذي أرسل انما هو للملك شارل الخامس, و لتفادي هذا الخطإ الحاصل يتعين وجوبا ارجاع التمثال ليقع ابداله بتمثال صان لويس ! الا أن شيخ الآباء البيض الكردينال لافيجري حسم الأمر قائلا لمن حوله من الناس: " أعلن بأن هذا التمثال الذي استقر في مكانه انما هو تمثال لويس التاسع" ! ; أنظر : Raoul Darmon, "La Goulette et les goulettois,   Evariste-Charles .: De la Tunisie chrétienne.Cf.Notules", STD, 1969, p. 32   Précot "De la Tunisie chrétienne", Paris, librérie Baltenweck, 1876.Sainte-Marie,  
8 ) أنظر : هــ. هوقون المرجع السابق ص 146.
9)  نشرت هذه الصورة عن طريق التصوير الحفري بكتاب ب كريستيان "افريقيا الفرنسية" أنظر:
P. Christian, « l’Afrique française, l’empire de Maroc et les déserts de Sahara », public, barbier, paris, 1847)
Zouhir Chelli, la Tunisie au rythme des estampes du XV au XIX siècle, éditions Tunis-Carthage, 1982, p 100.




 ملحق

  من بين الأعمال التي عرضت في الصالون التونسي عهد الحماية هناك مشاهد 
مستوحا ت من الوقائع التاريخية التي جرت في مدينة قرطاج البنيقية ضد الرومان تتجلى فيها معاني الوحشية و الشراسة و القسوة و الضراوة كما نسجها  خيا
   ل الفنانين الأوبيين و من أبرز هذه الأعمال تمثال من البرنز عرض في الصالون التونسي سنة  1912  قام بإنجازه النحات الفرنسي تيودور ريفيار عام 1895 يمثل "صلامبو (ابنة حملقار برقا) عند ماتوس (بطل المقاومة الأمازيغية)





"صلامبو عند ماتوس"  تونس المصورة  1912  عدد 57  ص 2



وفي نفس السياق هناك لوحة زيتية محفوظة بمتحف بربنيون بفرنسا أنجزها ألبارشربتيي عنوانها "صلامبو عند وليمة البربر"    

                                                                                                                    

"صلامبو عند وليمة البربر"  تونس المصورة  1913  عدد 60   ص 9      
                        

و شربنتيي هذا (الذي أقام مدة في تونس و شارك بانتظام في الصالون التونسي) له لوحة أخرى بعنوان "موت ماتوس" , و ماتوس كما هو معلوم كان في بدايته قائدا للمجندين من الأمازيغ المرتزقة المساندين لحكومة قرطاج في حروبها ضد الرومان, و عندما عجز أهل قرطاج عن دفع المستحقات المالية لماتوس شن هذا الأخير ثورة  ضد ابتزاز و حيف القرطاجنيين  معلنا بها الدفاع عن الهوية الأمازيغية,  الا أن المقاومة الأمازيغية قد باء ت بالفشل و لقي ماتوس حتفه حين تغلب عليه حملقار و أمر بصلبه,            




"موت ماتوس"  "تونس المصورة" 1913 عدد 60 ص 9