الصالون التونسي في عهد الحماية
"دائرة المعارف التونسية"، بيت
الحكمة ، قرطاج، الكراس 2، 1991، ص 108-112.
ركن من صالون 1912 مخصص
للفنون المحلية التقليدية
بقي المجتمع التونسي ردحا من الزمن أسير تقاليد فنية معهودة وقيم جمالية موروثة، ولم يطرأ عليه تغيير إلا منذ أوائل القرن العشرين حينما شهدت مدينة تونس انبعاث حركة فنية جديدة وردت من الغرب، كانت شرارتها الأولى تأسيس الصالون التونسي.
فقد قام أعضاء قسم الآداب والفنون بمعهد
قرطاج)
1) بتكوين
صالون للعرض بإعانة من الحكومة الاستعمارية التي سعت في مساندة هذا المشروع،
تشجيعا لنشر الثقافة الفرنسية وترسيخا لنفوذها في اللإيالة.
فتح الصالون التونسي بابه لأول مرة سنة 1894 في يوم اتخذته الحكومة عيدا لها تخليدا لذكرى انتصاب الحماية على تونس، وهو اليوم الثاني عشر من شهر ماي، واختص مبنى شركة العمال المالطيين "لافالات" « La Valette » ،الكائن بنهج اليونان بالعاصمة، بأول عرض حضر افتتاحه المقيم العام شارل روفيي (Charles Rouvier) ورجال دولته وثلة من أهل العلم والثقافة.
وقد دام هذا المعرض الأول أسبوعين، ومن أبرز ما
احتوى عليه مجموعة من لوحات الرسام لويس شالونLouis Chalon) ) (2)الذي كان يقوم آنذاك برحلة إلى تونس، واستجاب لطلب
السلطات المحلية عندما جلب من فرنسا مجموعة من أشهر رسومه التي سبق أن عرضها في صالون باريس، ثم أضيفت
إليها لوحات أخرى لنخبة من الرسامين الأجانب المقيمين بالإيالة، و قد نال هذا
المعرض إعجاب الزوار وأحدث صدى ملحوظا في الأوساط الثقافية، فكان مشجعا
على إقامة معارض سنوية متتابعة، تم تنظيمها بقصر الجمعيات الفرنسية (دار ابن رشيق
حاليا)، وشهدت بتوالي السنين رواجا متزايدا، (3) سيما عندما تولى ألكسندر فيشي (Alexandre Fichet) إدارة الصالون، وهو من الشخصيات الثقافية والفنية الفذة التي لعبت في مطلع هذا القرن
دورا بارزا في
الساحة الثقافية المحلية.(4)
ألكسندر فيشي عضو
المجلس الكبير و رئيس الصالون التونسي (1912-1968)
ألكسندر فيشي في القاعة الكبرى ,
صالون 1912
ألكسندر فيشي محاط
بشخصيات رسمية يوم افتتاح صالون سنة 1921 ("تونس المصورة", غرة ماي
1921)
وتواصل هذا النشاط بانتظام, ما عدى شغوره
في بعض السنين , لكنه تعطل تماما طيلة الحرب العالمية الأولى حيث نقل العديد من
الفنانين إلى جبهة القتال وتوقفت بذلك كل حركة فنية في هذا الصالون كما توقفت
بالنسبة لسائر المؤسسات الأخرى إلى انتهاء الحرب. وفي سنة 1920 عاد نشاط الصالون
وتوالت العروض متتابعة بداية كل فصل ربيع.
والملاحظ أن الصالون التونسي لا
سيما في فتراته الأولى لم يقدم سوى أعمال الفنانين الأجانب، وقد خصص ركن منه
للفنون التقليدية و المحلية التي تنظمه "إدارة المصلحة الاقتصادية
الأهلية" (Direction
des services économiques indigènes) استجابة لحاجيات جمهور الزوار الذين كانوا من الجالية
الأوربية المقيمة في البلاد أو الوافدة من أوربا، في حين بقي المجتمع التونسي بمعزل عن تظاهرات الصالون، فقد رفض التونسي في
أول الحقبة الاستعمارية كل مؤسسة دخيلة، إذ كان يراها من قبيل السطوة و الاحتلال.
ولم يبدأ اهتمام التونسيين بالثقافة الغربية واقتحامهم
ميدان الفنون الجميلة إلا مع العقد الثاني، وأول من ساهم منهم في عروض الصالون فئة
من يهود أهل البلد (مثل موزيس ليفي وجول للوش وموريس
بزموت وكلود غزلان....) ثم اقتفى أثرهم بضعة أفراد من التونسيين، فمنذ سنة 1912
قدم الجيلاني عبد الوهاب مجموعة من رسوم أشخاص، وعرض رسما مائيا في السنة
الموالية، وتواصل نشاطه في الصالون إلى سنة 1928 قبل هجرته الى فرنسا. وبدأ يحيى
التركي مشاركته منذ سنة 1923، وسار على منواله كل من عبد العزيز ابن الرايس وعلي
ابن سالم وعمار فرحات وحاتم المكي.
وقد تدعم صرح الفنون الجميلة في تونس، خاصة
الرسم الزيتي المسندي، بفضل تظاهرات الصالون بعد أن قطعت مراحل ثلاث : أولها ما
كان يبعث به رسامون محترفون من فرنسا من أعمال فنية سبق أن تم عرضها في صالون باريس، (5) ثم في
مرحلة ثانية من خلال أعمال الرسامين الأجانب الذين استقروا بالإيالة ومن
بينهم أساتيذ كونوا بها جيلا من الفنانين من بني جلدتهم ممن ولدوا بتونس،
وتأتي أعمال المواطنين من أهل البلاد في آخر شوط، هؤلاء الذين احتضنوا
بدورهم الأساليب الفنية الدخيلة التي تلقوها وتوارثوها عن سابقيهم من الأجانب واتبعوا طرقهم وأنماطهم التي تنتمي إلى
"المدرسة الاستعمارية", ومع ذلك فإن هؤلاء الرواد من التونسيين قد بادروا, من خلال ممارستهم
لفن الرسم, عن التعبير عن عالمهم الذي
ألفوه وعن الوسط المحلي الذي ترعرعوا فيه , فقد طوعوا هذه التقنيات الحديثة
عهد عندهم للإعراب بصفة عفوية عن خواطرهم
و مشاعرهم وأذواقهم , وبذلك فقد اختلفوا
تماما في توجهاتهم عما كان عليه الفنانون المستعمرون الذين تسلطوا على البلاد
التونسية واعتبروها مستعمرة لهم، واستشرفوها بنظرة استشراقية مغرضة لا تنم بأي صلة
عما كان عليه واقع المجتمع التونسي آنذاك.
و قد حرص أعضاء الهيئة الفنية "بمعهد
قرطاج" على تشجيع الفنانين الفرنسيين خاصة بتسليمهم جوائز عند نهاية كل عرض،
وكانوا يقومون بدعم من وزارة المعارف والفنون الجميلة بتمويل عملية جلب
الأعمال الفنية من فرنسا، ففي حين كانت المدرسة الفرنسية مهيمنة على الصالون لم
يكن من الرسامين الأوربيين من غير المشاركين الفرنسيين إلا فئة قليلة. (6) وهذا التعصب الاقليمي الواضح كانت
تسانده الصحف الاستعمارية التي ما انفكت تؤكد على ضرورة فرنسة الثقافة بالمستعمرة
التونسية.
فمن بين الرسامين الفرنسيين الذين ساهموا
باستمرار في الصالون التونسي هناك من لم يزر الإيالة، مثل أرسان دوماس (Arsène Dumas) و هنري لجان (Henri Lejeune) و أميل إزمبار (Emile Isembart), وهؤلاء قد اكتفوا
بإرسال لوحاتهم التي تحتوي جلها على مشاهد طبيعية لأقاليم فرنسا. و ما انفكت هذه الموضوعات الفرنسية تحظى
بتجاوب من طرف جمهور الصالون الذي كان يرى فيها نقطة وصل بينه وبين وطنه الأصلي
ورباطا وثيقا بحضارته وعوائد مسقط رأسه.
وهناك نوع آخر من الرسامين المقيمين في أنحاء
الجزائر والمغرب قد اختصوا برسم مشاهد
طبيعة لشمال إفريقيا، نذكر من بينهم : بول سيموني (Paul Simoni) و مريوس دي بوزان (Marius de Buzen) وهنري
دابادي (Henri
Dabadie)(7)و ماريوس بوفيول (Marius Bouviolle) .
و الأغلبية الساحقة من العارضين يقدمون تارة
مواضيع مأخوذة من الحياة التونسية، وتارة أخرى لوحات تصاغ فيها المواضيع المقتبسة
من الحياة الفرنسية التي كانوا يرسموها عند ترددهم على بلادهم الأصلية، حتى أنه في
بعض الأحيان يقع التشابه والخلط بين عالمين مختلفين, بحيث يعسر على المشاهد التعرف
على موضوع اللوحة إن كان مستوحى في حد ذاته من الطبيعة التونسية أو من الطبيعة
الفرنسية, وإن افترق كل من الطبيعتين في ألوان تربتهما ونوعية نباتهما وكدرة أو صفاء جوهما،
فكل منهما له مميزاته الخاصة , والسبب في عدم التوصل لإضفاء خصوصية لكل من الطبيعتين
على حدة أن جانبا من هؤلاء الرسامين قد دأبوا
على ممارسة نفس التقنية واستعمال نفس الأشكال و الألوان بصفة روتينية للتعبير عن عوالم متباعدة , فنتج عن ذلك
نوع من الرتابة و الأسلوب "التقالدي" الذي يدعو إلى الملل و السآمة,
و لم يغفل النقاد و
الصحافيون في تقاريرهم لعروض الصالون عن وصف أعمال هؤلاء بالسذاجة والابتذال, إلا أن نخبة من الرسامين اعتبرهم النقاد من أبرز
البارعين في المناظر التونسية ,و
قد وردت أسماؤهم بكثافة في أدلة الصالون, نذكر من بينهم على الخصوص: بريفور
بورشي (Bréfort-Porché)
وهو الأكثر نتاجا للمواضيع المحلية، و رودولف درلنجي (Rodolphe d'Erlanger) المتخصص في رسم مناظر من بلدة سيدي أبي سعيد , و
كذلك أندري ديلاكروا (André Delacroix) ولويس لومونيي (Gaston-Louis Lemonnier) ، وأميل
بنشار (Emile
Pinchart)
وأرمون فرجو (Armand
Vergeaud)
وألكسندر روبتزوف (Alexandre
Roubtzoff)
و غيرهم من الذين تميزوا بالدقة في الخطوط والجودة في الأشكال، و نذكر ممن انتحى
الانطباعية و الألوان الصارخة بيار ديمونتيي (Pierre Demontier) وجورج ديلابلونش (George Delaplanche ) ودافيد
جوناس (David
Junes) وبيار
شربونتيي (Pierre charpentier) و لومار (Le Marre) وهنري جوصو (Henri Jossot)…
و بصفة عامة فان اللوحات الفنية الطاغية على الصالون قد شملت مواضيع مختلفة تتراوح تارة بين مناظر شمال فرنسا وسماءها المغشاة وأرضها الموحَلة بالطيَن وأكواخها المملَسة بالقشاش، وتارة أخرى بين مناظر شمال افريقيا من فيافي قاحلة تغمرها الشمس والنور المشرق وشطآن البحر المتوسط الممتدة على السواحل، والأسواق والبطاح الشعبية المكتظة. فكل هذه المشاهد الطبيعية لشمال إ فريقيا تنطوي في حقيقتها على مغالطة إذ توحي بمحاولة أولئك الرسامين طمس المظاهر الاستعمارية المشينة والتعبير عن نوع من "المثالية الجمالية" و هناء العيش و الاستقرار في عالم تغمره الألوان الساطعة والمناظر الطبيعية الخلابة . و الغرض من رواج هذه الصورة التفاؤلية سياسي في المقام الأول يهدف الى جلب أكثر عدد ممكن من مواطني فرنسا الى مستعمراتها للانتفاع بثرواتها و مكتسباتها.
و من الملاحظ أيضا أن جل الأعمال المعروضة في الصالون قد خضعت إلى ما يمكن أن نعتبره عدم توافق تاريخي مع ما كان سائدا في أوائل هذا القرن بأوربا من تيارات طلائعية، فقد ضلت معظم أعمال الصالون منسجمة مع قواعد الاتباعية الموروثة عن المدارس الأكاديمية , والنادر منها الذي لا يقاس عليه ما كان متأثرا شيئا ما بالأساليب و الأنماط التي ظهرت في أوائل القرن العشرين مثل الواقعية أو الانطباعية المحدثة أو التكعيبية أو الوحشية، وهكذا ضل الوسط الاستعماري المتأخر ثقافيا ملجأ للقوالب الجمالية التي كسدت سوقها وزال أوانها فصارت في متناول العامة والتبعيين , وبقدر ما كان هذا النوع من الفن المتردد على الصالون متجاوبا مع الجمهور فإن بعض الأعمال المتفردة التي بعث بها أفذاذ من المعاصرين، مثل فان دنجن Van Dongen) (1922) وماركات (Marquet) (1933)، ولوت (Lothe)، ومتزنقر (Metzinguer) ... لم تنل هي الأخرى صدى من قبل الزوار أو من قبل الفنانين أنفسهم.
واستمر الحال مدا وجزرا بين تلك التيارات المتباينة إلى ما بعد الاستقلال,
ففي هذه المرحلة الجديدة اتجه الصالون نحو وجهة أخرى عندما أصبح يضم أعمال
التونسيين، وما زال إلى يومنا هذا يمدنا برسوم الهواة الشبان حيث ينبأ جانب من انتاجاتهم
عن مواهب ثرية محاولين في الحين نفسه
"تأصيل" ممارساتهم الفنية مع مجاراتها في ركب المعاصرة والحداثة.
1( مركز
ثقافي أسس سنة 1893، لعب دورا هاما في نشر العلوم والفنون الفرنسية واختص بأبحاث
تاريخية واجتماعية لتونس، روج دراساته وبحوثه من خلال "المجلة التونسية"
التي صدرت من سنة 1894 إلى 1945. كان يتركب "معهد قرطاج" من عدة هيئات
منها هيئة العلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية و هيئة الآداب و الفنون.
2( لويس شالون (1866-1916) تتلمذ
على الرسامين ج. لوفابر (J. Lefêbre) وبولنجى (Boulanger)، شارك في معرض باريس
(1898-1911) وقدم لوحات لمواضيع كلاسيكية وميثولوجية.
3) في صالون 1912 خصصت القاعة الكبرى لعرض أعمال هنري قستاف جوسو (Henri-Gustave Jossot) و في السنة الموالية عرضت أعمال بيار قردو (Pierre Gourdault) ثم إبان الحرب العالمية الأولى (1914) افرد الصالون التونسي ركنا لأعمال بريفورت برشي (Antonin Bréfort-Porché) أستاذ التصوير بمعهد كارنو.
3) في صالون 1912 خصصت القاعة الكبرى لعرض أعمال هنري قستاف جوسو (Henri-Gustave Jossot) و في السنة الموالية عرضت أعمال بيار قردو (Pierre Gourdault) ثم إبان الحرب العالمية الأولى (1914) افرد الصالون التونسي ركنا لأعمال بريفورت برشي (Antonin Bréfort-Porché) أستاذ التصوير بمعهد كارنو.
4) عين آلي بلوندال (Elie Blondel) أول رئيس للصالون التونسي و خلفه في رئاسة اللصالون لمدة عامين (1911-1912) ألفونس كليمون (Alphonse Clément²) (الذي كان يمارس على الخصوص فن الحفر) ثم تولى بعدهما ألكسندر فيشي لمدة ستة و خمسين سنة رئاسة الصالون التونسي إلى وفاته و كان قد استقر بالايالة منذ 1902 اضطلع برئاسة الهيئة الفنية لمعهد قرطاج ، وكان ناقدا فنيا مائلا بأفكاره إلى الاشتراكية. و قد كتب في عدة مجلات فرنسية مثل "تونس الاشتراكية"
و"الكاهنة" و"شمس" و"تونس المصورة"، و أسس منذ سنة
1905 "الانطلاقة" (L’Essor) التي كانت تقام فيها مهرجانات ونقاشات أدبية متنوعة. توفي
سنة 1968 و دفن بمقبرة بو رجل بتونس.
5) وجهت هيئة "معهد قرطاج للآداب و العلوم و الفنون" دعوة إلى "جمعية الرسامين المستشرقين الفرنسيين" للمشاركة بأعمالهم الفنية بالصالون التونسي لسنة 1897, فقد احتوى القسم الأول من هذا الصالون على مائة من الأعمال لثمانية و عشرين رساما ورد معظمها من فرنسا.
5) وجهت هيئة "معهد قرطاج للآداب و العلوم و الفنون" دعوة إلى "جمعية الرسامين المستشرقين الفرنسيين" للمشاركة بأعمالهم الفنية بالصالون التونسي لسنة 1897, فقد احتوى القسم الأول من هذا الصالون على مائة من الأعمال لثمانية و عشرين رساما ورد معظمها من فرنسا.
6) نذكر
من بينهم: الروسي ألكسندر روبتزوف (Alexandre Roubtzoff) الذي تحصل فيما بعد على الجنسية الفرنسية والبلجيكي جان لويس مين (Jean Louis
Minne) والسويسري مرسال أترنود (Marcel Aternod) والهولندي ليو نردوس (Léo Nardus) والإيطاليين فرنسسكو فرنشتي (Fransesco
Franchetti) و أنتونيو كربوناتي (Antonio
Carbonatti) وايمانوال
بتشيو(Emmanuel Botciori)
7) لهنري
دابادي لوحة ضخمة بعنوان "صيد سمك البوري" محفوظة بمتحف دار الحوت
بقرطاج بيرصا .




Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire