محاضرة ألقيت بالمكتبة الوطنيّة، الأربعاء 18
ربيع الأوّل 1434/ 30 جانفي
2013
مختارات من آثار سماحة الشيخ كمال الدين جعيط مفتي الجهورية التونسية سابقا - جمع و تحقيق الأستاذ محمد العزيز الساحلي - دار سحون للنشر و التوزيع - تونس 2021
ص 799-806
بسم الله الرحمان الرحيم
معالي الوزير الأوّل
حضرات الأساتذة الجلة
سادتي الأكارم سيداتي الفضليات
في هذه الأمسية
المباركة نجتمع على ذكرى أحد أفذاذ الجامعة الزيتونية من الذين أحرزوا قصب السبق
في ميدان العلم و الصلاح، ألا وهو الأستاذ الكبير و المحقق الشهير صاحب الفضيلة
الشيخ كمال الدين بن العلامة الشيخ محمد العزيز جعيط، و الذي فارقنا منذ بضعة
أسابيع مقبلا على رحمة ربه و غفرانه، راجيا عفوه و إحسانه.
و إني و إن لم أكن
من أرباب الخطابة و الفصاحة، و لا من أهل البلاغة و البراعة، غير أني لم أر بدا من
التلبية لما اقترح عليّ في الانضمام إلى هذا الجمع الكريم و المساهمة في حفلة
التأبين، بإلقاء كلمة وفاء في حق خالي و أبي الروحي الشيخ كمال الدين، برد الله
ثراه، إحياء لذكراه، و تخليدا لمزاياه، واعتبرت ذلك من حفظ العهد و إبراء الذمة.
و حفظ العهد ما وافاه حر و
طوقه فتى إلا وزانه
ناهيك و ان مثل
هذه الاحتفالات، بها يقدر الفضل لذويه، و
بها يعرف عظماء الأمة و أمجادها، فترعى حقوقهم، و تشاد ذكراهم، و تكون حافزا
للأجيال المتعاقبة على الاحساس بماضيهم التليد، و الاعتزاز بثقافتهم الأثيلة، و دافعا لمتابعة مسيرة ابائهم بكل فخر و حماس.
لقد تكونت بيني و
بين الشيخ كمال الدين، علاوة على أواصر الرحم و القرابة، علاقة وطيدة و صحبة
كريمة، إذ وجد في، منذ حداثة سني، من القابلية و الاستعداد لما كان يوجهه إلي من
الفوائد العلمية و ما كان يتحفني به من النصائح الغالية، التي لا زلت اجني إلى
اليوم ثمارها، و مما أوثق هذا الرباط و احكم هذه الصلة أن والدي المنعّم المبرور
الشيخ محمد علي الأصرم كان من اعلق الناس بالفقيد بحكم المصاهرة التي بينهما، و
بحكم تقارب سنهما، و ملازمتهما (أو مزاملتهما) في الدراسة بجامع الزيتونة، فقد
كرعا من نفس المنابع، و أعجبا بنفس الأساتيذ الذين ساهموا في تكوينهما، و إن اختلفت أحيانا آراؤهما في بعض التأويلات ووجهات
النظر، فلقد كانا يتمتعان بآداب الحوار، وروح التسامح، وكرم المعاملة. كانا يتزاوران و يطيلان الجلوس معا و يحادث كل منهما صاحبه في معضلات المسائل, و كنت دوما
أحضرمجالسهما، و الحال أني لم أكن ميالا للهو و اللعب مع أقراني، بل وقتا طويلا
كنت أصرفه في الإصغاء بكل تيقظ و انتباه إلى المحاورات التي كانت مدار حديث
بينهما، و عويص الاستشكالات العلمية التي كانا يتناولانها بانعام فكر و امعان نظر،
فكنت أكتشف من خلال هذه اللقاءات المفيدة، و التي كانت تتخللها نكت أدبية ولطائف
من النظم و النثر، علوما ومعارف لم يسبق لي أن سمعت بها من قبل، إذ كانت مغايرة في
جوهرها و موضوعها مخالفة في محورها و محتواها عمّا عهدناه انذاك من المواد التي
كانت تدّرس في المدارس الوزارية و المعاهد التربوية. و لنأخذ على سبيل المثال مادة
الأدب العربي، و في الفترة التي اعنيها، أي بعيد الاستقلال، و في الستينات على
التحديد، حينما كنت أزاول المرحلة الثانوية، فقد كان الأدب منحصرا في معالجة شعراء
المجون و الغزل و التشبيب، على نحو عمر بن أبي ربيعة و جميل بثينة و مجنون ليلى و
بشار بن برد و ابن زيدون و من على غرارهم، في حين أن الطالب الزيتوني، منذ عهد
قديم، قد اعتاد على حفظ أشعار الزهد و التصوف، و القصائد التي تتضمن الامثال و
الحكم، كأبيات قس بن ساعدة، و الامثال المشحونة بها اشعارابي الطيب المتنبي , و شعر أبي العتاهية، فيما يختص بالزهديات (و كان مشهورا بالزندقة فتزهد اخر ايامه و قال شعرا رقيقا في الزهد)، وقصائد ابن
الفارض سلطان العاشقين في احوال المتصوفة و مواجدهم الروحانية , و مدائح شرف الدين البوصيري و شعر الشريف الرضيّ، و من قول
الرضّي في الحكم :
كن في الأنام بلا عين ولا أذن أولا فعش أبد الدهر مصدورا
و الناس اسد تحامي عن فريستها اما عقرت و امّا كنت معقورا
ويدخل في هدا المضمار الاقوال الماثورة عن الامام الشافعي التي صاغها باجمل العبارات و الابيات الشعرية التي نظمها باسلوب سلس موضفا مختلف التحسينات البديعية كقوله :
دع المقادير تجري في اعنتها و لا تبيتن الا خالي البال
والذي يهمني أن
أدلي به في هذه الكلمة الوجيزة، أن مخالطتي لكل من والدي و خالي، تغمدهما الله
برحمته، قد فتحت لي افاقا شاسعة، فكنت من اولى الحظوة الذين سنحت لهم الفرصة و
اتجهت بهم العناية الى التطلع لبعض الجوانب من موروثنا العلمي الزاخر، و قد كنت
كلما اتسع لي الوقت، أعرض على أستاذيّ الجليلين غوامض المسائل و ما اشتبه عليّ
منها أثناء مطالعتي لما أقرأ، فإما أن يصوب كل منهما رأيي باستحضار جواب، و أما
بمراجعة ماهو منصوص في بطون الكتب من المسائل و استقصائها، فكانت هذه الحصص كما
وصف الإمام ابن عرفة في قوله:
دع المقادير تجري في اعنتها و لا تبيتن الا خالي البال
ما بين غمضة عين وانتباهتها يبدل الله الامر من حال الى حال
و من اروع ما نظم الشافعي في الحكمة قصيدته الشهيرة التي يقول في مطلعها :
دع الايام تفعل ما تشاء و طب نفسا ادا حكم القضاء ولا تجزع لحادثة الليالي فما لحوادث الدنيا بقاء و كن رجلا على الاهوال جلدا و شيمتك السماحة و الوفاء
فبقدر ما كان هدا اللون من الادب العربي الدي يهتم بالجوانب الاخلاقية و المواعظ و العبر كثير التداول على السنة الزيتونيين يستعرضونه في اقوالهم واثناء احاديثهم و يسجلونه في كتاباتهم (و غالبا ما تكون هده الشواهد الشعرية لتوضيح المعنى او لتصحيح القياس عليها في قواعد اللغة) نجده على العكس غائبا غيابا تاما من البرامج التعليمية التي تلقيناها.
والذي يهمني أن
أدلي به في هذه الكلمة الوجيزة، أن مخالطتي لكل من والدي و خالي، تغمدهما الله
برحمته، قد فتحت لي افاقا شاسعة، فكنت من اولى الحظوة الذين سنحت لهم الفرصة و
اتجهت بهم العناية الى التطلع لبعض الجوانب من موروثنا العلمي الزاخر، و قد كنت
كلما اتسع لي الوقت، أعرض على أستاذيّ الجليلين غوامض المسائل و ما اشتبه عليّ
منها أثناء مطالعتي لما أقرأ، فإما أن يصوب كل منهما رأيي باستحضار جواب، و أما
بمراجعة ماهو منصوص في بطون الكتب من المسائل و استقصائها، فكانت هذه الحصص كما
وصف الإمام ابن عرفة في قوله:
اذا لم تكن في مجلس العلم نكتة و تقرير ايضاح لمشكل صورة
وعزو غريب النقل أو فتح مقفل أو ابداء اشكال نتيجة فكرة
فدع سعيه و اطلب لنفسك و اجتهد واياك تركا فهو أقبح خلة
و لا يسمح لي المقال
في هذه النبذة ان أذكرعناوين الكتب التي
كانت متداولة عند الزيتونيين و التي استقطب البعض منها اهتماماتي، الا أن هذه
النفائس من المؤلفات، التي كانت تحفل بها المكتبات الخاصة و العامة، قد تطرقها
التلاشي، و نسجت عليها عناكب النسيان، بعد الغاء التعليم الزيتوني ابان الاستقلال،
و اقصاء جل المدرسين و توزيعهم على المعاهد الثانوية، فأصبحت هذه الكتب كما نعتها
بعضهم بالكتب المهجورة و بيع الكثير منها بالمزاد بأبخس الأثمان
لقد هزلت حتي بدت من هزالها كلاها و سامها كل مفلس
لقد آن لنا ان ننفض
ما علق من غبار على هذه الذخائر المغمورة بين الرفوف، و أن نحسن الاستفادة منها، و
ان نعقد العزم على استيعاب ما لدينا من ارث فكري أصيل، فنسلط عليه مجهر التحليل و
التفحص و التنقيب، حسب ما تمليه مبادئ المنهجية الدقيقة و قواعد البحث العلمي
الحديث، لنلبسه ثوبا جديدا ناصعا، و نقدمه في شكل مقبول و معقول يتماشى مع عقليتنا
اليوم و يتمازج مع أذواقنا و يستجيب لتساؤلاتنا، و يتلاءم مع روح العصر بما يفرضه
من مقتضيات و من مستجدات، و بذلك يتجمع لنا رصيد من المباحث التي من شأنها أن توصل
بين ماضينا و حاضرنا، و أن تساهم في إرساء ثقافة مستمدة من جذورنا، نابعة من
أعماقنا، أمام عالم مليء بالتحديات في خضم العولمة و الشمولية.
سادتي الأعزاء،
سيداتي الكريمات
ليس الغرض من هذه
العجالة أن أعرج على أطوار حياة مترجمنا المليئة بجلائل الأعمال، و أن أتعرض لما
اضطلع به من مهامات علمية و تعليمية، و ما خطه قلمه من فتاوى و مقالات و مؤلفات و
ما تقلده من وظائف سامية، فلعل هذه النواحي سيفيدنا من تطرق إليها من السادة المحاضرين
الأجلاء، و قد كنت حرّرت مقالة نشرت في صحيفة (لوطان) « le temps » اليومية، في الثاني من جانفي الجاري، ألممت فيها قدر الامكان بمكانة
الشيخ العلمية و نشاطاته في المجالات العمومية، و سأكتفي عبر اشارات خاطفة بايراد
بعض الجوانب من شخصيىة مترجمنا، و العوامل المؤثرات التي ساهمت في بناء هذه
الشخصية. و لا يخفى على ذي لبّ، أن ترجمة العلم المترجم له ينبغي ألا تكون مجرد
سياق لمعلومات وأخبار تلتقط مما سبق أن كتب عنه، أو مما صرح به الرواة، بل يفترض، مع توخي الموضوعية و
تقصي الحقائق التاريخية، الغوص في أعماق البيئة الاجتماعية التي نبع منها المترجم
له، و تسليط الأضواء على مواقفه و ارائه تجاه الأحداث، و التعرف على العصر الذي
زامنه بكل أطواره وظروفه و ملابساته، و ما عج به من تيارات سياسية و فكرية، مما يعين
على ابراز ملامح هذه الشخصية بشيء من الدقة و الواقعية، الا أن الإحاطة بكل هذه
الجوانب تتطلب دراسة ضافية تكون أكثر عمقا و أكثر شمولا.
لقد عرفت الشيخ عن
كثب، و سايرته عن قرب و كنت ألصق الناس به، فنفذت إلى منابع الإحساس من وجدانه،
واستجليت طباعه و أخلاقه، فوجدت فيه الصورة المجسمة، و المثال الناطق للشخصية
الهادئة المطمئنة، المتوازنة، المتوازية القوى، المتساوية الأطراف، السالمة من
الغلو و التقصير،لا افراط و لا تفريط، هي شخصية من طفح قلبه يقينا و إيمانا، فسار
منذ نعومة أضفاره على درب الاستقامة و الاعتدال، و تحلى بكمال الصفات.
أجل لقد فتح الشيخ كمال الدين عينه في تلك البيئة المحافظة، السائرة على التقاليد الموروثة، المنتظم مجرى حياتها على المواسم الدينية و العادات المؤلوفة، المتشبعة بالمبادئ السمحة الراقية، تكنفه رعاية والده شيخ الإسلام المالكي و شيخ الجامع الأعظم العلامة محمد العزيز جعيط، وهو من هو، علما و سلوكا و ثباتا على الحق، كان من أبرز المتضلعين في ميدان الفقه و أصوله و أرسخهم قدما و أبصرهم بطرق الإجراءات الشرعية، و قد تولى المناصب العالية و قام باصلاحات جسيمة لا يسع المجال ذكرها، وابتدأ حسن الإصغاء إلى توجيه هذا الوالد يرفع منزلة الابن البار عنده، و يعقد بينهما مودة خاصة و صلة زائدة، حتى إذا انخرط الشاب في سلك التعليم الزيتوني، مقتفيا أثر آبائه، وجد في والده الأستاذ المرشد و الناصح الأمين، فكرع من حياض العلم، و تدرج في سلم المعارف، و درس أمهات الكتب و الحواشي، و حفظ المتون المنظومة، تحت رقابة الأب الدائمة، و أقبل بكل جادّة على فطاحل المدرسين وقتئذ، أذكر من بينهم من نالت دروسهم شهرة و إقبالا، مثل الشيخ محمد الزغواني، و الهادي العلاني، ومحمد العنابي، و الصادق المحرزي، وصهره العلامة النابغة محمد الفاضل ابن عاشور الذي كان له بالغ الأثر في تكوينه المعرفي. و أثناء ارتقائه إلى مرتبة التعليم العالي إثر الحصول على العالمية كان له مزيد اختصاص بشيخه محمد المستيري الذي طالما ظل وفيا لأستاذه الشيخ محمد العزيز جعيط، مخلصا له أمينا، فاستقبل في بيته تلميذه كمال الدين، فكان يتردد علية ردحا من الدهر مساء كل يوم، و تمضي الساعات في المراجعات و الغوص في خفايا المسائل و كشف خباياها، حتي إذا ملأ التلميذ الجاد و طابه من العلوم، تقدم بكل ثقة إلى مناظرة التدريس فأحرز عليه، و ذلك سنة خمسين و تسعمائة و ألف، و ما انفك الشيخ كمال الدين من ذلك الحين يلهج بذكر أستاذه، و يعدد خصاله و مزاياه، ويعترف له بجزيل الإحسان.
فضلا عما قام به الشيخ من أعباء في مجال التعليم و في الحياة العمومة، فقد وجه اهتمامه الفكري إلى قضية أساسية كانت محور بحوثه و مدار كتاباته، ألا وهي قضية الدين و مكانته في المجتمع، فقد بين أن فهم مجتمعنا للدين يعتريه خطأ وانحراف، و أن هذا الانحراف يشمل العقيدة و العبادة و التشريع، لا سيما و أن شريحة من شبابنا اليوم قد تأثروا بتيارات خارجية و بمذاهب تشيعها بعض الفضائيات، أحدثت بلبلة في عقولهم و جعلتهم يحملون النصوص الشرعية على غير معناها وعلى غير وجهها الحقيقي، و قد أمضى الشيخ قبل أن يوافيه الأجل بمدة قليلة مقالا نشر في الصحيفة اليومية المستقلة "المغرب" (في الخامس عشر من ديسمبر اثني عشر و ألفين) بعنوان "ميثاق علماء تونس" حددت فيه ثوابت العقيدة الصحيحة كما اعتمدها علماء الزيتونة، و التي لخصها عبد الواحد ابن عاشر في نظمه "المرشد المعين" بقوله :
في عقد الأشعري وفقه مالك و
في طريقة الجنيد السالك
كانت للشيخ تقاليد
و عوائد راسخة منذ القدم في أفراد عائلته يحب اجرائها على عادتها، كان شديد الحرص على أداء الصلوات في
مواقيتها، لا يغفل عن ورده من القران العظيم في كل يوم، مع قراءة وظائف الشيخ
المتصوف الواعظ أحمد التجاني، شيخ الطريقة التجانية، عقب صلاة العصر. و كان حسن
الهيئة، أنيق الهندام، يخص الأعياد بالجديد من الثياب مع سلامة في الذوق و خبرة في
الملبس، ذا وجه وضاح لا تغادره البشاشة، لين العريكة، يألف الناس و يكرمهم و
يلقاهم بالحفاوة و الترحيب.
كان يجمع أهله و خاصته ودويه الاقربين أيام الأعياد، لا سيما في مناسبة المولد النبوي، و يحتفل لذلك احتفالا عظيما، و يسرد على مسامع الحاضرين في موكب خاشع قصة المولد لزين الدين جعفر البرزنجي، يقرؤها من كتاب قد تهارمت أوراقه، كان عند جده الوزير الشيخ يوسف جعيط ثم عند والده. ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن الخزانة الغنية بالكتب العتيقة و المخطوطات، و التي ورثها عن أبيه و جده، ثم نماها في حياته وزاد عليها بما اقتفاه من المؤلفات النافعة، قد توج آخر عمره بإهدائها إلى المكتبة الوطنية احتسابا لله تعالى و خدمة لبني وطنه.
و لا يفوتني أن
أستحضر النوادي العلمية التي كانت تعقد كل مساء جمعة، يلتقي فيها الشيخ بثلة من
خلصائه و أحبابه من صفوة أبناء الزيتونة، يجتمعون و يدارسون التأليف الموسوعي
الضخم للعلامة الإمام الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور"تفسير التحرير و التنوير"،
فإذا التبس عليهم المعنى أو استوقفتهم بعض المسائل استعانوا بشتى الكتب و المصادر
استجلاء لما استشكل عليهم، و كانوا يجدون في الأحاديث التي يتجاذبون أطرافها
أنواعا من المتعة و الثروة الفكرية، و قد استمرت هذه الاجتماعات بلا انقطاع نحوا
من ثلاثة عقود.
هذا وقد امتحن شيخنا رحمه الله بالمرض في أعوامه الأخيرة، حتى أنه طلب الإحالة على الراحة بعد أن باشر خطة مفتي الجمهورية عشر سنين إلى موفى سنة ثمانية و ألفين، و لازمه المرض مدة أضناه فيها و كان يقابل ذلك بفارغ الصبر و الجلد، و لم يغب عن زواره إلى آخر لحظة من أنفاسه، يجيب بصدر رحيب كل من قصده من طلاب العلم عن الإشكاليات الفقهية المتنازع فيها، و كان ثابت الجنان، ذا عقل حصيف و رأي سديد، حتى أن أي أحد من اللذين سعدوا بلقائه و الاستماع إليه وهو يبدي بصوت خافت رأيه في شتى المواضيع لا يمكن أن ينسى ما كان يستحضره من الشواهد المقنعة و ما يستدل به من الملاحظات اليقظة و من حسم للقضايا و قطع للجدال.
تغمد الله فقيدنا الشيخ كمال الدين بواسع رحمته، و ألحقه بأكرم الخلائق و أعظمهم قدرا، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا.
و السلام عليكم و رحمة الله
خالد الأصرم
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire