mardi 30 mai 2017

سهرة وفاء لروح الشيخ الناصر الباهي


سهرة وفاء لروح الشيخ الناصر الباهي





تنشر الصباح في عدد اليوم الأحد 28 سبتمبر 2008 المسامرة المطولة للأستاذ خالد الأصرم بعنوان "سهرة وفاء لروح الشيخ الناصر الباهي" ألقاها في ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك وتعرض فيها بالخصوص إلى سيرة الشيخ الناصر وعلمه الفياض وورعه الشديد، وعمله ببلدية العاصمة ومهام الامامة والخطابة حيث كان ينسج مواضيعه وفقا لأحداث الساعة يعالج فيها المشاكل الاجتماعية السائدة ولا يخشى في الله لومة لائم.


سادتي الأكارم، سيداتي الكريمات،

ما أحوج أمتنا بأن تتمسك بثوابت القيم العالية التي دأب عليها أوائلنا ننهل منها فيض البقاء الخالد، ان ما توارثه أجدادنا جيلا بعد جيل من حميد الصفات وكمال الآداب التي حث عليها ديننا الحنيف لحري بأن نتحلى بها اليوم حتى نضمن في مجتمعنا إقامة معاني الخير ونبعث فيه الهمم العالية.

                     ورثناهن عن آباء صدق    ****     كذاك نورثهم إذا متنا بنينا

وما نشاهده اليوم في بعض فئات من شبابنا من الانحراف والاعراض عن المبادئ الأخلاقية السمحة والعزوف عن السيرة المرضية والاستقامة في السلوك، مأتاه الأول وسببه الرئيسي القطيعة التي حدثت بين الأجيال بانعدام أهل العلم والصلاح الذين أصبحوا في بيئتنا أعز من بيض الأنوق. إن الجانب الأوفر من شبابنا قد طحنتهم الحيرة وتشعبت بهم السبل حيث لم يجدوا نماذج من ذوي المواهب والقيم يتخذونهم قدوة لهم ومنارا ويتلقون عنهم تلكم الصفات النبيلة والمثل الأخلاقية العالية من العدالة ومناصرة الحق والإحسان والرحمة والإيثار.

ولعمري ان نبذنا وراء ظهورنا ذكر أسلافنا من العلماء والصالحين الذين ساروا على درب العلم والمعرفة وحسن الخلق، كان ذلك داعيا لخمود ذكوة الإقدام على العمل المجدي في أجيالنا الصاعدة وزرع الكسل والوهن في قلوبهم وبذلك لا ينتفعون بمواهب الرجال الذين انبتتهم هذه التربة المباركة حيث أنهم لم يجدوا ماء عذبا صافيا فينبتوا النبات الحسن اليافع الذي يؤتى أكله كل حين.

أجل، إن دراسة حياة الصالحين السابقين والتعرف على أوصافهم وأخبارهم هي وسيلة تربوية لها أثرها الفعال، فالثناء على الصالحين واقتفاء آثارهم اعتراف بالفضل لذويه، وحفظ لحقوق هؤلاء الأفذاذ وصون ذكراهم، ومن جهة أخرى تشجيع للناشئة على احتذائهم والسير على منوالهم.

                 فتشبهوا ان لم تكونوا مثلهم      ****     إن التشبه بالرجال فلاح

إن من الوفاء أن نتصفح حياة الأعلام البررة الذين خلفوا ذكرا عطرا، ذوي النفوس الزكية والشيم الطاهرة النقية، الذين أذاقهم الله حلاوة طاعته ولذاذة مناجاته.

              عبيد لمولاهم تعالى وغيرهم     ****     عبيد الهوى ما بين الفريقين كالثرى
               علو الثريا  في ارتفاع مقامهم   ****     بهم يدفع الله البلايا عن الورى

في هذه الليلة الغراء من ليالي شهر رمضان المعظم، نجتمع على ذكر أحد هؤلاء الأبرار من الذين غذوا الأمة بلبان العلم والفضيلة، وقد مر على أفول نجمه والتحاقه بربه ما يقارب العشرين عاما، ألا وهو ذلك الطود الشامخ ناصر كلمة الحق والدين وبهاء واسطة عقد عباد الله الصالحين الشيخ الناصر بن محمد الباهي رحمه الله وأرضاه وجعل الجنة منقلبه ومثواه.

لقد دعاني صديقي سعيد بن العادل الباهي بأن أشارك في هذه الأمسية المباركة لعلمه بالصلة الوثيقة التي كانت تربطني بعمه عليه رحمة الله، فلبيت الدعوة إرضاء لصديقي، علاوة على دواعي الإخلاص والاعتراف بالجميل اللذين ما أزال أكنيهم لشيخي، وها أنا أرسم لكم سادتي الأفاضل سيداتي الفضليات بعض خطوط خاطفة من الملامح التي تميزت بها هذه الشخصية الفذة، وسأقتصر على مقتطفات من محاسن أفعاله، وبلاغه خطابه، وطرافة مجلسه، ومكانته المرموقة عند الناس، وكمالات نفسية حباه الله بها تحيي القلوب بسماعها وينتفع ببركتها، وتثبت بها أفئدة المؤمنين.




لقد سنحت لي الأقدار أن عرفت الشيخ الناصر عن كثب، فقد كان والدي رحمه الله يصحبني معه منذ حداثة سني إلى جامع الكرم حيث نقطن، لسماع الخطبة الجمعية التي كان الشيخ يلقيها، فما برح إلا أن قربني منه زلفا، فكنت من بين الذين يرتقبون قدومه بمقصورة الجامع، ويشيعونه بخطى متأنية إلى المنبر، وكان حريصا على إيقافي حذوه في المحراب قبل الشروع في الصلاة، فكان يظهر من الحفاوة والاعتناء بي ويعاملني معاملة المربي والمعلم الدؤوب على تلقين تلميذه العلم النافع، بل كان بمثابة الأب العطوف الذي يتعهد ابنه رعاية وحفظا، ومع مرور الأيام انعقدت بيننا أواصر المحبة فكان يأخذني أحيانا معه إلى بيته وأصطحبه في زياراته لبعض ذويه، لا سيما أهل زوجته المرحومة فريدة كاهية حيث كانت بين عائلتينا قرابة، حتى أن والدي رحمه الله بواسع رحمته، طلب من الشيخ الناصر يوما أن أتخلى عن درس من الدروس التي كان يلقيها إثر صلاة العصر من كل جمعة، وكنا مدعوين لبعض الولائم العائلية فرفض الشيخ رفضا باتا، وقال معاتبا والدي، مع ما كان يضمره له من الإكبار، لن تنازعني في هذا، فإن كنت تغذيه غذاء الجسم وتنمي بدنه وتقوي عوده، فإني أغذيه غذاء الروح وأحيي قلبه وأنور بصيرته، وشتان بين المهمتين، أتركه لي وامض في سبيلك.

منذ ذلك الحين، وكنا في أواخر الخمسينات، بدأت رحلتي مع الشيخ وملازمتي إياه ملازمة وطيدة، عرفت فيه دماثة الأخلاق وحلو الحديث وصفاء السريرة، وامتلأ القلب مودة له وتقديرا فصرت مع ما كنت أحظي به من دلال ورعاية واحدا من بين المئات الذين تعرفوا على سر العظمة عنده فجذب قلوبهم بأقواله، وأخذ ألبابهم بحكمته ولذيذ خطابه، وهكذا أضحى بمثابة النبراس الذي ينور طريق السالكين والمعلم الذي يزود بأدبه ومعارفه الطلاب والمريدين.

           ولابد من شيخ يريك شخوصه   ****    وإلا فنصف العلم عندك ضائع

في بيت عراقة ومجد، وعلم وورع، ولد مترجمنا بدار أجداده الكائنة حذو الزاوية الباهية الواقعة  بحي باب الأقواس بمدخل نهج زاوية آل البكري (أئمة جامع الزيتونة)، يوم الخامس عشر من شوال سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وألف الموافق للثاني عشر من ديسمبر سنة ست وتسعمائة وألف، فهو الناصر بن محمد بن محمود بن حسين بن علي بن حسين بن اسماعيل (الذي اقام مدة تسع سنوات بجزيرة جربة حيث تتلمذ عن الشيخ الفقيه الشهير إبراهيم الجمني) بن الشيخ العارف بالله سيدي أحمد الباهي، صاحب الكرامات ومؤسس الزاوية، وهو من سلالة وائل بن حجر (بضم المهملة وسكون الجيم) بن ربيعة بن وائل بن يعمر الأنصاري الصحابي الجليل (ذكر نسبه ابن حجر العسقلاني في الإصابة) كان أبوه من أقيال اليمن، وفد هو على النبي صلى الله عليه وعلى آلة وسلم واستقطعه أرضا فاقطعه اياها وبعث معه معاوية ليستلمها، في قصة له معه معروفة، مات وائل في خلافة معاوية، قال أبو نعيم أصعده النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وأقطعه وكتب له عهدا قال هذا وائل سيد الأقيال.
ومؤسس الزاوية الباهية، الولي الصالح سيدي أحمد الباهي، كان معاصرا لعلي باشا الأول ابن أخ حسين رأس الدولة الحسينية، قال عنه في "الإتحاف"، في باب التراجم: "لما شرع الشيخ في بناء الزاوية وتوابعها راوده الباشا المذكور أن يعينه بمال فأبى، ثم راوده أن يحبس عليه هنشيرين فأبى أيضا، وأنجز بناءها كلها بما اشتملت عليه من المرافق من حر ماله (وكان من كبار التجار) وتسابق أدباء عصره لإمتداحه عن تلك المبرة، من ذلك المقامة الباهية لإمام البلاغة محمد الورغي (التي حققها مقام والدنا الشيخ عبد العزيز القيزاني) ومقامة أخرى للأديب أبي الحسن الغراب.

كان الشيخ الناصر حريصا على تعليم القرآن الكريم بمدرسة الزاوية، وإلى جانب ذلك كان عضوا نشيطا في تأسيس إملاءات قرآنية بجوامع العاصمة خاصة منها في ناحية باب سويقة، كما أسس الجمعية الخيرية القرآنية بضاحية حلق الوادي حيث كان يقضي موسم الصيف.

لقد فقد والده مبكرا وهو ابن ثلاثة عشر عاما، وكان برا بوالدته المرحومة كلثوم ابنة الشيخ محمد البحري ملازما لها.

فبعد قضاء بضع سنوات بالمدرسة الصادقية تحصل على الشهادة الابتدائية بمعهد كارنو، ثم التحق بإيعاز من خاله الأكبر عزوز البحري بالجامع الأعظم، وتتلمذ هناك على نخبة من أساطين عصره أمثال الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور وجدي الشيخ محمد العزيز جعيط والشيخ محمد ابن يوسف والمشائخ الأعلام أحمد بيرم والحطاب بوشناق ومحمد ابن الخوجة ومحمد ابن القاضي عم الشيخين محمد الشاذلي ومحمد الهادي اللذين كانا زميلين له في الدراسة كما كان العلامة الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور من زملائه وكان أصغر منه بثلاث سنين كما سبق أن ضبطه لي الشيخ الناصر، ومن الذين لازموه في الدراسة الشيخ الناصر صدام والناصر تاج وأصبح هذا الأخير صهرا للشيخ فيما بعد رحم الله الجميع.

ولأستاذه وصفيه الشيخ محمد مناشو قدم سابقية وفضل، إذ تعلق به تعلقا بالغا وعاشره معاشرة حميمة، وهو من هو الشاعر الفحل والأديب القدير والصحفي الناقد النبيه، كان من أبرز رواد الإصلاح في مطلع القرن العشرين، فقد تتلمذ عليه مترجمنا وتأثر به غاية التأثر، حتى أنه كان لا يفتئ عن ذكره في كل المجالس وفي كل الأحايين.

ولما أحرز على شهادة التطويع في العلوم الشرعية عام ثلاثة وعشرين وتسعمائة وألف انتصب لتدريس العقيدة والفقه بمسجد النفافتة الواقع قرب داره، وتخرج على يديه جمهرة من أهل الخير ممن يحرصون على الاستفادة بحضور مجالس العلم والتشبع بمبادئ الدين الحنيف.

وفي سنة ثلاثين وتسعمائة وألف, وباقتراح من ابن خالته السيد البشير ابن عصمان رئيس مصلحة التسجيل بقسم العدول ببلدية العاصمة, سمي عدلا مترجما بهذا القسم، وكان يحسن اللغة الفرنسية.

وأثناء ذلك عقد على المرحومة فريدة ابنة البشير كاهية وأقيم حفل زفافهما عام ست وثلاثين بدار بوحاجب بحلق الوادي، وقد كان الشيخ حقا مثال الود والإخلاص طوال الخمسين عاما التي عاشها مع رفيقة دربه فكم كان يحسن لها ويؤثرها على نفسه ولا يرد لها طلبا كما شاهدت ذلك منه مرارا.
وقد استمر على مباشرة خطة العدالة ببلدية العاصمة إلى أن أحيل على المعاش سنة ثلاثة وستين (ولمن أراد بسطة عن حياة مترجمنا فليرجع إلى المقال الذي نشر بجريدة الصباح بتاريخ 12 ماي 2000 بقلم أخينا الأستاذ محمد العزيز الساحلي).

كان الشيخ الناصر قد اضطلع بمهمة الإمامة والخطابة، وتعتبر من أبرز المهمات التي قام بها والتي تتواءم مع مواهبه الفطرية وتمكنه العلمي، فقد امتاز، مع صدق اللهجة وقوة العارضة، بأسلوب خطابي جذاب وعبارات جزلة يفهمهما كل على اختلاف مستوياتهم، وكثيرا ما كان يستعرض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ويحتج بها ويبين معانيها بكل دقة ووضوح، فإذا خطب علا صوته وتأثر شديد التأثر فكان كلامه النابع من أعماق كيانه أوقع على نفوس السامعين وأنفذ لقلوبهم وأبلغ في نصحهم وارشادهم.

تولى الخطابة في أول الأمر نيابة عن الشيخ عمر بن الشيخ سالم بوحاجب بجامع سبحان الله لمدة ثمان سنين، وكان بينهما ود وصداقة، ثم أصبح بصفة رسمية إماما خطيبا بجامع الكرم خلفا عن الشيخ أحمد العياري الذي سمي أول إمام بهذا الجامع عند إحداثه، ولازم مترجمنا هذه الخطة لمدة ما يقرب من خمسة عقود، وخلال السنوات الأخيرة من عمره ألح على والدي قبول الإمامة عوضا عنه، وكان والدي آنذاك يقرئ دروسا في التفسير والفقه بجامع الكرم قد نالت إقبالا كبيرا، وكان الشيخ الناصر كلما ذكر له الشيخ علي يقول عنه "أيفتى ومالك بالمدينة؟" وكان لأبي وفيا، كثيرا ما يعجبه أن يقول له: إن مما يزيدني فيك حبا أن والدتك وزوجتك تحملان نفس اسمي والدتي وزوجتي، وهي من الصدف الطريفة.


         
                                         الشيخ الناصر يلقي درسه المعتاد إثر صلاة العصر من كل جمعة بجامع الكرم 

كان شيخنا برد الله ثراه في خطبه يصدع بالحق لا يخشى في الله لومة لائم، ولا يثنيه عن قول الحق سوط حاكم، وكان ينسج مواضيعه وفقا لأحداث الساعة يعالج فيها المشاكل الاجتماعية السائدة، ويضع أيدي السامعين على مواطن الداء، فكانت خطبه مؤدية للغرض المطلوب من تحريك القلوب واثارة المشاعر، وكانت الحديث الجاري على الألسن في المجالس والأندية.

وكثيرا ما كان يقتصر في الخطبة الثانية على دعاء مألوف، ولعلي من القلة الذين مازالوا يحفظونه عن ظهر قلب، وقد سمعته منه مئات المرات ونبرات صوته مازالت تدوي في أذني، وبدايته: "الحمد لله الملك الديان يبرهن حلمه على كل عاص أنه واسع الفضل والإحسان أمر ونهى وهو الغني الحميد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ظهر لكن لا تلحظه العيون وأشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله بهر لكن لا يعرفه الجاهلون اللهم صل وسلم وبارك على هذا النبي الأمين المأمون وعلى آله وأصحابه أهل الحزم الثابت والحزب الأكيد، أما بعد أيها الناس ما لقلوبكم من غفلتها لا تفيق هل طبعت على الغفلة أم ضلت عن الطريق في اللذات تتسع وفي الطاعات تضيق ماذا استفدت يا أخي من صرف الأوقات في الآفات ماذا ترجو يا أخي من هجر الشرع حبا في الشهوات ماذا تؤمل يا أخي وفعلك غير حميد تب إلى الله الكريم واخضع تذكر وحشة القبر وهول المضجع احفظ ما يقوله لك الناصح واسمع حسبك ما جرى إن كنت ذا رأي سديد....

والدعاء في غاية التأثير والوقع على النفس، نكتفي منه بهذا القدر، وقد خطر لوالدي أن عرض على مسامع المصلين هذا الدعاء بكامله في خطبة ثانية، فذرفت العيون ووجلت القلوب وتذكر الحاضرون إمامهم الراحل فدعوا له بعد صلاتهم ما شاء الله أن يدعوا.

ومن الطرائف أنه لما وقعت أحداث حمام الشاطئ ورميه بالقنابل من طرف الإسرائيليين (سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة وألف على ما أذكر) وجزع الناس جزعا شديدا، رام فضيلته أن يختم أدعيته على المنبر بأبيات من الشعر كان شيخه الشيخ مناشو قد نظمها أيام الحرب العالمية الثانية يتحصن بها عند تعرض البلاد لقنابل الطيران الألماني، ولكن الشيطان أنسى الشيخ الأبيات، فاستعاذ بالله وصمم على الذهاب إلى مقبرة الفدان حيث مدفن الشيخ مناشو، وجلس جانب القبر داعيا لشيخه بالرحمة مخلصا في دعائه، ثم طلب من الله أن لا يبرح المكان حتى تجري على لسانه الأبيات فما غادر المكان إلا وهو يتغنى بها، وهي من أروع ما سمعت طالما ختم الشيخ أدعيته بها في الخطبة الثانية:

        يا سطوة الله فكي عقد ما ربطوا   ****   وشتتي شمل  أقوام   بنا اختلطوا
        الله  أكبر  سيف  الله   قاطعهم       *** إذ كلما قد علوا في ظلمهم هبطوا

كنا في أواخر فصل الخريف، وكانت سنة جدباء يبس فيها الزرع وهلك الضرع وأصاب الناس بلاء وضيق عيش من جراء احتباس الأمطار فخطب الشيخ الناصر مبينا للناس أن مسك القطر أنما يقع عند استفحال الفواحش والمعاصي، ودعاهم إلى التوبة والأوبة إلى الله وتوجه إلى المولى داعيا متضرعا راجيا منه سبحانه أن يتغمدنا برحمته قائلا كما جاء في الحديث اللهم اسقنا غيثا غدقا وجدا طبقا، ثم حشد الناس بعد صلاة العصر وقال: لعل فيكم من هو موصول بالله فيتقبل الله به دعاء الداعين ويعفو عن المسيئين، وشرع في قراءة قصيدة المنفرجة للفقيه الصوفي أبي الفضل يوسف بن محمد التوزري المعروف بابن النحوي، ومطلعها:
                            اشتدي أزمة تنفرجي   ****    قد آذن ليلك بالبلج
والحاضرون يرددون كل بيت منها يسمعونه من الشيخ، ولما وصل إلى قوله من أواخر القصيدة:
                            يا رب بهم وبآلهم      ****   عجل بالنصر وبالفرج
أعاد هذا البيت عشرات المرات رافعا يديه إلى السماء في حالة خشوع وانكسار، وأثناء ذلك الحين فوجئ الحاضرون بوميض البرق ودوي الرعد، وسرعان ما انهمرت مياه المطر تنسكب على بلاط صحن الجامع بقوة وغزارة، وخرج الناس مستبشرين مكبرين ومهللين إلى الصحن يبلون أثوابهم ويتلقون رحمة ربهم ويهنئون بعضهم بعضا، وكنت ممن شهد تلك الواقعة، ولم نغادر رحاب الجامع إلا والطرقات قد سالت بوديان من الماء.

كان يحضر درس الجمعة جمع غفير من المخلصين للشيخ الذين عقدوا عليه قلوبهم وضمائرهم، وكان يتكأ على اسطوانة المحراب ويجلسني عن يساره وسط المحراب ويعد ذلك من المكافأة ورد الجميل، إذ كان أيام تتلمذه على شيخه جدي الشيخ محمد العزيز جعيط يجلس عن يساره، فكان يرى من الوفاء بالعهد أن يجلسني في نفس ذلك الموضع عن يساره.

كنا قبل الاستماع إلى الدرس نعرض جملة من الأدعية المأثورة والأذكار التي حفظناها عن الشيخ، ومما استحضر الآن منها هذا التسبيح: سبحان الأبدي الأبد، سبحان الواحد الأحد، سبحان الفرد الصمد سبحان من رفع السماء بغير عمد، سبحان من بسط الأرض على الماء فجمد، سبحان من خلق الخلق فأحصاهم عدد، سبحان من قسم الرزق فلم ينس أحد، سبحان الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولد، سبحان الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد.

كان فضيلته كما يصفه كل من عرفوه عذب الكلام خفيف النفس لا يسأم سامعه من حديثه، وتلك سجية في أفراد بيته، قال ابن أبي الضياف عن جده علي الباهي ما نصه: "ومحاضرة واسعة لا يمل جليسه"، وكذلك كان شيخنا لا يمل درسه، ومع تضلعه في علمي العقيدة والفقه فقد كان فصيحا لا يخطئ أبدا في حركات الإعراب كما هو الشأن عامة في علماء الزيتونة بتمكنهم من قواعد النحو، فإذا أورد المسائل العلمية الدقيقة أتى بما يستمتع به من طرف الكلام وملح الأحاديث، وكان كثيرا ما يروي النكتة الأدبية ويحفظ الجم من أقاويل الشعراء, وهذا الجانب قد استفدت منه كثيرا لأني كنت ميالا لجمع الشعر وحفظه، ومما أخذت عنه مشافهة أبياتا وقفت عليها فيما بعد في كتب الأدب و هي في غاية الحسن طباقا وجناسا, قال الشاعر:
         لكسرة من رغيف الخبز تشبعني   ****    وشربة من قراح الماء ترويني
         وخرقة من جريش الثوب تسترني ****   حيا وإن مت   تكفيني   لتكفيني 
 
غيرها:
                         قدم لنفسك خيرا ****  وأنت مالك مالك
                     من قبل تصبح فردا ****  ولون حالك حالك
                        فأنت والله تدري ****  أي المسالك سالك
                       أما لجنة عدن  ****  أو في المهالك هالك
غيرها:
                       والله والله مرتين  ****  لحفر بئر بإبرتين
                و نقل بحرين زاخرين **** إلى صعيد بمنخلين 
                 وغسل ثوبين أسودين ****  حتى يصيرا أبيضين
             وكنس درب الحجازطرا ****   في يوم ريح بريشتين
               و نزع طودين راسيين **** و حمل ثورين باليدين
                ولا وقوف بباب عبد  ****   أرجوه خلاص ديني

غيرها وهي من نظم الإمام الشافعي

                  رأيت الناس قد مالوا  ****  إلى من عنده مال
                   ومن لا عنده مال  ****   فالناس عنه قد مالوا
                رأيت الناس قد ذهبوا  ****   إلى من عنده ذهب
                 ومن لا عنده ذهب  ****   فالناس عنه قد ذهبوا
                 رأيت الناس منفضة  ****   إلى من عنده فضة
                  ومن لا عنده فضة  ****   فالناس عنه منفضة

ولولا ضيق الوقت لسقت لكم عددا وافرا من الأشعار في معنى الزهد والورع والأخلاقيات ذكرها الشيخ وفقا لحال من الأحوال، فمما أذكر أننا كنا جمعا من الناس مع الشيخ في موكب دفن المنعم مصطفى بن سعيد باي بجبانة سيدي عبد العزيز بالمرسى، وكان الفقيد جارا لنا وكان الشيخ الناصر يكرمه ويخصص له مكانا بجانبه بمقصورة الجامع، وأثناء الرجوع مررنا بقرطاج على قصر الباي وكان آنذاك مهجورا قبل أن يحول إلى بيت الحكمة فقال الشيخ "هذه قصورهم وهذه قبورهم" ثم ذكر بيتين لسيدنا علي بن أبي طالب حفظتهما عنه كانتا مطابقتين للحال:

                رأيت الدهر مختلفا يدور ****  فلا حزن يدوم ولا سرور
             وقد بنت الملوك لها قصورا  ****  فلم تبق الملوك ولا القصور

كان رحمه الله حاضر البديهة، حاد الذكاء، سريع الجواب، حلو الإشارة، وله نوادر كثيرة في هذا المقام.
كنا جلوسا عنده في حلقته إذ دخل علينا جمع من السائحين أقبلوا من بعض بلاد المشرق، فلما استوى بهم المجلس سأله أحدهم عن الطرق والزوايا منكرا قراءة الوظائف والأحزاب والتغني بمدح الرسول صلى الله عليه وسلم في المواليد، فعاجله الشيخ بقوله: وماذا تقول في سماع مغنيكم من أمثال ممدوح وطلال (وسمى له بعض مطربات أخريات)، من هو أقرب للتقوى أسامع المدائح النبوية أم مشنف سمعه بألحان المعازف؟

وكان من عادته أن ينظم بالجامع في كل موسم حج حفل تكريم للحجاج المتساكنين بالضاحية الشمالية الذين رجعوا من البقاع المقدسة (وقد رحل هو بدوره إلى أداء فريضة الحج مصحوبا بزوجته وبعض قريباته، وكان ذلك في سنة ثلاث وستين وتسعمائة وألف، ورجع مبهورا)، ففي حفل من تلك الحفلات التي أقيمت في الجامع ترحيبا بالحجيج تذمر رجل من الازدحام الذي شاهده في تلك البقاع وراح يصفها بما لا يليق، فغضب الشيخ وزجره، ولكن الرجل تمادى في ذمه، فبادهه الشيخ بأبيات حفظتها عنه:
                       حج في الدهر حجة  ****   حج فيها وأحرما
                        وأتانا من الحجا  ****   زكما راح محرما
                        فهو ذو الحجة التي  ****   ما توقي محرما

وبين بالمناسبة أن الآية الكريمة "فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج" تشير إلى أن الحاج يجب عليه ترك قول الفحش والمجادلة والمخاصمة والمماراة المغضبة، وخصوصا ثلب الحجاج وتنقصهم والحال أنهم وفد الله وضيوف الرحمان، وأضاف أنه يشترط في الحج أن يكون من المال الطيب الحلال، وذكر أبياتا لأبي الشمقمق (وهو شاعر هجاء، من موالي بني أمية):

             إذا حججت بمال أصله دنس  ****   فما حججت ولكن حجت العير
                   ما يقبل الله الا كل طيبة  ****   ما كل من حج بيت الله مبرور


                              
                             الشيخ الناصر بمطار العوينة أثناء ذهابه غلى الحج مع  ثلة من المشيعين من أهل الفضل


                                       


أثناء درس من الدروس أصاب الشيخ الإمام بعض التعب فلم يقدر على مواصلة كلامه، فأمر كلا من الجالسين أن يعرضوا عليه سورة الفاتحة، فكان يصوب أخطاء كل واحد حسب قواعد التجويد، وأتى دور رجل من المواظبين على حضور الدرس، وكان طاعنا في السن، ذا مظهر ملفت للأنظار، قد زانت وجهه لحية كثيفة بيضاء، يرتدي زيا إفرنجيا وقد وضع على رأسه عمامة ضخمة، والعمامة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، فطلب منه الشيخ أن يرتل الفاتحة فلم يجدها بل حرف بعضا من كلماتها، فقال له الشيخ يا هذا لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب، فمن لم يحسن قراءتها فصلاته باطلة، أعد صلاة ثمانين ! ولكن الرجل لم يفهم قصد الشيخ وواصل القراءة بلسان يكاد يكون غير مبين.
طرح أحد الحاضرين سؤالا يتعلق بتحية المسجد فأجابه الشيخ أنها ركعتان يصليهما الداخل قبل جلوسه في المسجد، وبين له أنه يسقط طلب التحية بصلاة الفرض ويحرم ابتداؤها عند خروج الخطيب، ولكن السائل لم يقنع بكلام الشيخ، ولعله قد تشابهت عليه المذاهب فأخذ يخبط في المسألة خبطة عشواء مظهرا من نفسه جهلا مركبا، فصوب الشيخ أخطاءه، ووضح له المسألة توضيحا ضافيا شافيا حسب مذهب إمام دار الهجرة، لكن الرجل قد أصر على عناده وتمادى في جهله، بل وظل ينقد كلام الشيخ نقدا لاذعا من غير روية، فكثر اللغط والجدال بينه وبين الحاضرين، فأنشد الشيخ لحينه:

               أليس من البلوى بأنك جاهل  ****   وأنك لا تدري بأنك لا تدري
       إذا كنت لا تدري ولست كمن درى ****   فكيف إذا تدري بأنك لا تدري
            رب امرئ يجري و يدري بأنه **** إذا كان لا يدري جهول بما يجري

وانفض المجلس على غير طائل، ودخلنا المقصورة، وكنا في أيام قيظ وشدة حرارة فتناول الشيخ جرعات من الماء البارد ثم استحضر بيتا آخر من الشعر كان محل الشاهد:

               وما الداء إلا أن تعلم جاهلا  ****  ويزعم جهلا أنه منك أعلم

كانت كوكبة من الأطفال يحدثون ضجيجا أثناء الدرس بركن المسجد، فانتهرهم الشيخ، ولكنهم أعادوا الكرة، فصاح فيهم أن اسكتوا، وفي المرة الثالثة هددهم بأنه سيدعو المؤدب لضربهم بالعصا، وأنشد:

             تكفي اللبيب إشارة مرموزة   ****    وسواه يدعى بالنداء العالي
         وسواهما بالزجر من قبل العصا  ****   ثم العصا في رابع الأحوال

وعندئذ وجموا وتوقعوا ما سيحل بهم إذا هم تمادوا.

هكذا كانت دروسه، غنية بالإفادات والمسائل العلمية، مليئة بالنكت والطرف واللطائف، تتخللها دعابة في الشيخ، وكانت محل إقبال من الناس.

كان زيادة على درس الجمعة بجامع الكرم يعطي درسا أيام فصل الصيف عشية كل يوم خميس بالمقام الشاذلي وكان من المواظبين على حضور الجمع، وقد أهدى لي فيما أهدى "نبراس الأتقياء ودليل الأنقياء" وهو مجموع أحزاب الإمام أبي الحسن الشاذلي ووظائفه وأوراده، وكان زيادة على تعلقه بالطريقة الشاذلية، شغوفا بالحكم العطائية، وهو كتاب قيم في التصوف لابن عطاء الله الإسكندري، المتصوف الشاذلي وكان يحفظ منه الكثير.




ولا يفوتني أن أذكر، قبل أن أنهي هذه البسطة عن حياة فضيلة الشيخ رحمه الله أنه كان يعامل الناس معاملة الإحسان، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ويلبي الدعوة في حضور عقود الأنكحة، وقد خطب لي خطبة عقد القران بمقام الولي سيدي إبراهيم الرياحي، وحكى لي بعض من شهد الحفل أنه قد أطنب في خطبته مشيرا إلى عرى المودة التي كانت بيني وبينه، وقد أقام بمناسبة زفافي أمسية بدار مصيفه بحلق الوادي جمع فيها الأقارب والأحباب، وأحضر لي ولزوجتي طبقين من "العاشوراء"، وهي عادة تقليدية كانت قديما جارية في أواسط الحاضرة، والعاشوراء نوع من الحلويات يتخذ من مقشور القمح والسكر يضاف إليه أنواع من الفواكه الجافة يقدم للعريسين، ثم دعا لنا بالسعادة والذرية الصالحة وختم الحفل بقراءة جماعية لآيات بينات من قصار المفصل.
 كان حريصا على اتصال الناس بحقوقهم وسد حاجاتهم ويسعى في إغاثة الملهوف فكان يخرج إثر صلاة العصر معتصما بالأدعية والتكبير ويقتحم مكاتب المسؤولين وأصحاب الوظائف السامية لا يصده عن ذلك صاد ولا يرد له قول ولا يرفض له طلب، لا يهاب وزيرا ولا مديرا، وكان الناس يعرفون قدره ويجلونه ويبجلونه، وكثيرا ما كنت أسمعه يردد على لسانه قول عامر بن قيس (من عباد التابعين بالبصرة) "من خاف الله اخاف الله منه كل شيء ومن لم يخف الله اخافه الله من كل شيء"، ولا ينتهي من مهمته إلا وقد ضمن عملا لرب عائلة بائس أو جمع مالا لمعوز اختلت حاله وأقعده الفقر أو سخر طبيبا لأرملة فقدت زوجها وأنهكها المرض,

لازمته ملازمة شديدة، وواصلت الأخذ عنه، ولم أفارقه البتة إلا مدة مزاولة تعليمي بفرنسا، وقد زارني يوم الرحيل، ولم يكتف بتوديعي أمام باب المنزل، بل تجشم صعود المدرج وقد بلغ من الكبر عتيا، وأقعدني بجانبه وأوصاني بكلمات تامات كافيات، مازال صداها في أذني، قال لي: اجعل شعارك "اتقوا الله ويعلمكم الله"، وحافظ على صلواتك في أوقاتها فأينما تولوا فثم وجه الله، واعلم أنك بتقوى الله تقوى على الأقوى وتتغلب على المصاعب وتأتي لك الدنيا راغمة، ويكون النجاح حليفك، وأمدني ببيتين من الشعر للإمام الشافعي وطلب مني أن أداوم عليهما وهما:

              وإذا العناية لاحظتك عيونها  ****   نم فالمخاوف كلهن أمان
             واصطد بها العنقاء فهي حبائل ****  واقتد بها الجوزاء فهي عنان

وكثيرا ما كان يكاتبني مدة إقامتي بباريس ويطمئنني بقوله لا تخشى على نفسك ما دمت أحصنك، وكان يلتزم في رسائله التاريخ الهجري، وقد حكى لي بالمناسبة قصته مع أحد العلماء الجزائريين وكان زميلا له أثناء الدراسة بجامع الزيتونة وكانت بينهما مراسلات بعد أن استقر زميله بالجزائر مسقط رأسه، فبعث له الشيخ الناصر يوما رسالة مؤرخة بالتاريخ الميلادي، فأجابه برسالة بدأها معاتبا إياه بقوله: "من لك أيها التاريخ الهجري إذا أهملك بنوك?". 

هذا العالم الجليل والرجل الصالح الذي ملآ حياته بأعمال البر وسعى في مرضاة خالقه ومولاه انتقل إلى عفو الله ورضوانه يوم الحادي عشر من جمادى الاخرة عام سبعة و اربعمائة و الف (الملاقي للحادي عشر من فيفري عام سبعة وثمانين وتسعمائة وألف)، بعد أن فقد زوجته بثلاثة أسابيع، ودفن بالزلاج بتربة ذويه، حذو تربة الأشراف، وحضر جنازته خلق كثير من تلاميذه المحبين له وأصدقائه الأوفياء وأهله المكرمين، وكنت في مقدمة الموكب حين تشييعه على الأقدام أرتل سورة يس كما أوصاني هو بذلك، وكان والدي بجانبي، وكان يوما مشهودا، وقد أبنه صديقه الشيخ محمد الشاذلي النيفر عميد الكلية الزيتونية سابقا وصلى عليه رحم الله الجميع.

                              ذهب الذين أحبهم ****  فعليك يا دنيا السلام
                            لا تذكرين العيش لي ****  فالعيش بعدهم حرام
                            إني رضيع وصالهم ****  والطفل يؤلمه الفطام

أيها السادة الكرام والسيدات الكريمات:

هذا ما حضرني في هذه العجالة أن أقدمه عن أستاذي الجليل فضيلة الشيخ الناصر الباهي، كان حقا مثالا يحتذى وأنموذجا لكل من عرفه، تغمده الله بواسع فضله ورحمته، لم أعرض إلا نبذة يسيرة من أوصافه وأخباره طلبا للاختصار وخوفا من الملل في الاكثار.

اللهم احشرنا في زمرة أوليائك يوم الدين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

الصالون التونسي في عهد الحماية


الصالون التونسي في عهد الحماية

"دائرة المعارف التونسية"، بيت الحكمة ، قرطاج، الكراس 2، 1991، ص 108-112.
                                                                                                                                                                                                                                                         


  
                                    ركن من صالون 1912 مخصص للفنون المحلية التقليدية         


    بقي المجتمع التونسي ردحا من الزمن أسير تقاليد فنية معهودة وقيم جمالية موروثة، ولم يطرأ عليه تغيير إلا منذ أوائل القرن العشرين حينما شهدت مدينة تونس انبعاث حركة فنية جديدة وردت من الغرب، كانت شرارتها الأولى تأسيس الصالون التونسي.

    فقد قام أعضاء قسم الآداب والفنون بمعهد قرطاج) 1) بتكوين صالون للعرض بإعانة من الحكومة الاستعمارية التي سعت في مساندة هذا المشروع، تشجيعا لنشر الثقافة الفرنسية وترسيخا لنفوذها في اللإيالة.


    فتح الصالون التونسي بابه لأول مرة سنة 1894 في يوم اتخذته الحكومة عيدا لها تخليدا لذكرى انتصاب الحماية على تونس، وهو اليوم الثاني عشر من شهر ماي، واختص مبنى شركة العمال المالطيين "لافالات" « La Valette » ،الكائن بنهج اليونان بالعاصمة، بأول عرض حضر افتتاحه المقيم العام شارل روفيي (Charles Rouvier) ورجال دولته وثلة من أهل العلم والثقافة.

    وقد دام هذا المعرض الأول أسبوعين، ومن أبرز ما احتوى عليه مجموعة من لوحات الرسام لويس شالونLouis Chalon) )   (2)الذي كان يقوم آنذاك برحلة إلى تونس، واستجاب لطلب السلطات المحلية عندما جلب من فرنسا مجموعة من أشهر رسومه التي سبق أن عرضها في صالون باريس، ثم أضيفت إليها لوحات أخرى لنخبة من الرسامين الأجانب المقيمين بالإيالة، و قد نال هذا المعرض إعجاب الزوار وأحدث صدى ملحوظا في الأوساط الثقافية، فكان مشجعا على إقامة معارض سنوية متتابعة، تم تنظيمها بقصر الجمعيات الفرنسية (دار ابن رشيق حاليا)، وشهدت بتوالي السنين رواجا متزايدا، (3) سيما عندما تولى ألكسندر فيشي (Alexandre Fichet) إدارة الصالون، وهو من الشخصيات الثقافية والفنية الفذة التي لعبت في مطلع هذا القرن دورا بارزا في الساحة الثقافية المحلية.(4)

                                      
               ألكسندر فيشي عضو المجلس الكبير و رئيس الصالون التونسي (1912-1968)




ألكسندر فيشي في القاعة الكبرى ,  صالون 1912 



ألكسندر فيشي محاط بشخصيات رسمية يوم افتتاح صالون سنة 1921 ("تونس المصورة", غرة ماي 1921)


    وتواصل هذا النشاط بانتظام, ما عدى شغوره في بعض السنين , لكنه تعطل تماما طيلة الحرب العالمية الأولى حيث نقل العديد من الفنانين إلى جبهة القتال وتوقفت بذلك كل حركة فنية في هذا الصالون كما توقفت بالنسبة لسائر المؤسسات الأخرى إلى انتهاء الحرب. وفي سنة 1920 عاد نشاط الصالون وتوالت العروض متتابعة بداية كل فصل ربيع.

    والملاحظ أن الصالون التونسي لا سيما في فتراته الأولى لم يقدم سوى أعمال الفنانين الأجانب، وقد خصص ركن منه للفنون التقليدية و المحلية التي تنظمه "إدارة المصلحة الاقتصادية الأهلية" (Direction des services économiques indigènes) استجابة لحاجيات جمهور الزوار الذين كانوا من الجالية الأوربية المقيمة في البلاد أو الوافدة من أوربا، في حين بقي المجتمع التونسي  بمعزل عن تظاهرات الصالون، فقد رفض التونسي في أول الحقبة الاستعمارية كل مؤسسة دخيلة، إذ كان يراها من قبيل السطوة و الاحتلال.

    ولم يبدأ اهتمام التونسيين بالثقافة الغربية واقتحامهم ميدان الفنون الجميلة إلا مع العقد الثاني، وأول من ساهم منهم في عروض الصالون فئة من يهود أهل البلد (مثل موزيس ليفي وجول للوش وموريس بزموت وكلود غزلان....) ثم اقتفى أثرهم بضعة أفراد من التونسيين، فمنذ سنة 1912 قدم الجيلاني عبد الوهاب مجموعة من رسوم أشخاص، وعرض رسما مائيا في السنة الموالية، وتواصل نشاطه في الصالون إلى سنة 1928 قبل هجرته الى فرنسا. وبدأ يحيى التركي مشاركته منذ سنة 1923، وسار على منواله كل من عبد العزيز ابن الرايس وعلي ابن سالم وعمار فرحات وحاتم المكي.

    وقد تدعم صرح الفنون الجميلة في تونس، خاصة الرسم الزيتي المسندي، بفضل تظاهرات الصالون بعد أن قطعت مراحل ثلاث : أولها ما كان يبعث به رسامون محترفون من فرنسا من أعمال فنية سبق أن تم عرضها في صالون باريس، (5) ثم في مرحلة ثانية من خلال أعمال الرسامين الأجانب الذين استقروا بالإيالة ومن بينهم أساتيذ كونوا بها جيلا من الفنانين من بني جلدتهم ممن  ولدوا بتونس، وتأتي أعمال المواطنين من أهل البلاد في آخر شوط، هؤلاء الذين احتضنوا بدورهم الأساليب الفنية الدخيلة التي تلقوها وتوارثوها عن سابقيهم من  الأجانب واتبعوا طرقهم وأنماطهم التي تنتمي إلى "المدرسة الاستعمارية", ومع ذلك فإن  هؤلاء الرواد من التونسيين قد بادروا, من خلال ممارستهم لفن الرسم, عن التعبير عن عالمهم  الذي ألفوه وعن الوسط المحلي  الذي ترعرعوا فيه , فقد طوعوا هذه التقنيات الحديثة عهد عندهم للإعراب  بصفة عفوية عن خواطرهم و مشاعرهم  وأذواقهم , وبذلك فقد اختلفوا تماما في توجهاتهم عما كان عليه الفنانون المستعمرون الذين تسلطوا على البلاد التونسية واعتبروها مستعمرة لهم، واستشرفوها بنظرة استشراقية مغرضة لا تنم بأي صلة عما كان عليه واقع المجتمع التونسي آنذاك.  

    و قد حرص أعضاء الهيئة الفنية "بمعهد قرطاج" على تشجيع الفنانين الفرنسيين خاصة بتسليمهم جوائز عند نهاية كل عرض، وكانوا يقومون بدعم من وزارة المعارف والفنون الجميلة بتمويل عملية جلب الأعمال الفنية من فرنسا، ففي حين كانت المدرسة الفرنسية مهيمنة على الصالون لم يكن من الرسامين الأوربيين من غير المشاركين الفرنسيين إلا فئة قليلة. (6) وهذا التعصب الاقليمي الواضح كانت تسانده الصحف الاستعمارية التي ما انفكت تؤكد على ضرورة فرنسة الثقافة بالمستعمرة التونسية.

    فمن بين الرسامين الفرنسيين الذين ساهموا باستمرار في الصالون التونسي هناك من لم يزر الإيالة، مثل أرسان دوماس (Arsène Dumas) و هنري لجان (Henri Lejeune)  و أميل إزمبار (Emile Isembart), وهؤلاء قد اكتفوا بإرسال لوحاتهم التي تحتوي جلها على مشاهد طبيعية لأقاليم فرنسا. و ما انفكت هذه الموضوعات الفرنسية تحظى بتجاوب من طرف جمهور الصالون الذي كان يرى فيها نقطة وصل بينه وبين وطنه الأصلي ورباطا وثيقا بحضارته وعوائد مسقط رأسه.

    وهناك نوع آخر من الرسامين المقيمين في أنحاء الجزائر والمغرب قد اختصوا برسم مشاهد  طبيعة لشمال إفريقيا، نذكر من بينهم : بول سيموني (Paul Simoni) و مريوس دي بوزان (Marius de Buzen) وهنري دابادي (Henri Dabadie)(7)و ماريوس بوفيول (Marius Bouviolle) .

    و الأغلبية الساحقة من العارضين يقدمون تارة مواضيع مأخوذة من الحياة التونسية، وتارة أخرى لوحات تصاغ فيها المواضيع المقتبسة من الحياة الفرنسية التي كانوا يرسموها عند ترددهم على بلادهم الأصلية، حتى أنه في بعض الأحيان يقع التشابه والخلط بين عالمين مختلفين, بحيث يعسر على المشاهد التعرف على موضوع اللوحة إن كان مستوحى في حد ذاته من الطبيعة التونسية أو من الطبيعة الفرنسية, وإن افترق كل من الطبيعتين في ألوان تربتهما ونوعية نباتهما وكدرة أو صفاء جوهما، فكل منهما له مميزاته الخاصة , والسبب في عدم التوصل لإضفاء خصوصية لكل من الطبيعتين على حدة أن جانبا من هؤلاء الرسامين قد دأبوا على ممارسة نفس التقنية واستعمال  نفس الأشكال و الألوان بصفة روتينية للتعبير عن عوالم متباعدة , فنتج عن ذلك نوع من الرتابة و الأسلوب "التقالدي" الذي يدعو إلى  الملل و السآمة,  و لم يغفل النقاد و الصحافيون في تقاريرهم لعروض الصالون عن وصف أعمال هؤلاء بالسذاجة والابتذال, إلا أن نخبة من الرسامين اعتبرهم النقاد من أبرز البارعين في المناظر التونسية ,و قد وردت أسماؤهم بكثافة في أدلة الصالون, نذكر من بينهم على الخصوص: بريفور بورشي (Bréfort-Porché) وهو الأكثر نتاجا للمواضيع المحلية، و رودولف درلنجي (Rodolphe d'Erlanger) المتخصص في رسم مناظر من بلدة سيدي أبي سعيد , و كذلك أندري ديلاكروا (André Delacroix)  ولويس لومونيي (Gaston-Louis Lemonnier) ، وأميل بنشار (Emile Pinchart)  وأرمون فرجو (Armand Vergeaud)  وألكسندر روبتزوف (Alexandre Roubtzoff)  و غيرهم من الذين تميزوا بالدقة في الخطوط والجودة في الأشكال، و نذكر ممن انتحى الانطباعية و الألوان الصارخة بيار ديمونتيي (Pierre Demontier)  وجورج ديلابلونش (George Delaplanche ) ودافيد جوناس (David Junes) وبيار شربونتيي (Pierre charpentier)  و لومار (Le Marre) وهنري جوصو (Henri Jossot)…

    و بصفة عامة فان اللوحات الفنية الطاغية على الصالون قد شملت مواضيع مختلفة تتراوح تارة بين مناظر شمال فرنسا وسماءها المغشاة
وأرضها الموحَلة بالطيَن وأكواخها المملَسة بالقشاش، وتارة أخرى بين مناظر شمال افريقيا من فيافي قاحلة تغمرها الشمس والنور المشرق وشطآن البحر المتوسط الممتدة على السواحل، والأسواق والبطاح الشعبية المكتظة. فكل هذه المشاهد الطبيعية لشمال إ فريقيا تنطوي في حقيقتها على مغالطة إذ توحي بمحاولة أولئك الرسامين طمس المظاهر الاستعمارية المشينة والتعبير عن نوع من "المثالية الجمالية" و هناء العيش و الاستقرار في عالم تغمره  الألوان الساطعة والمناظر الطبيعية الخلابة .  و الغرض من رواج هذه الصورة التفاؤلية سياسي في المقام الأول يهدف الى جلب أكثر عدد ممكن من مواطني فرنسا الى مستعمراتها للانتفاع بثرواتها و مكتسباتها.

    و من الملاحظ
أيضا أن جل الأعمال المعروضة في الصالون قد خضعت إلى ما يمكن أن نعتبره عدم توافق تاريخي مع ما كان سائدا في أوائل هذا القرن بأوربا من تيارات طلائعية، فقد ضلت معظم أعمال الصالون منسجمة مع قواعد الاتباعية الموروثة عن المدارس الأكاديمية , والنادر منها الذي لا يقاس عليه ما كان متأثرا شيئا ما بالأساليب و الأنماط التي ظهرت في أوائل القرن العشرين مثل الواقعية أو الانطباعية المحدثة أو التكعيبية أو الوحشية، وهكذا ضل الوسط الاستعماري المتأخر ثقافيا ملجأ للقوالب الجمالية التي كسدت سوقها وزال أوانها فصارت في متناول العامة والتبعيين , وبقدر ما كان هذا النوع من الفن المتردد على الصالون  متجاوبا مع الجمهور فإن بعض الأعمال المتفردة التي بعث بها أفذاذ من المعاصرين، مثل فان دنجن  Van Dongen) (1922)  وماركات (Marquet) (1933)، ولوت (Lothe)، ومتزنقر (Metzinguer) ... لم تنل هي الأخرى صدى من قبل الزوار أو من قبل الفنانين أنفسهم. 

    واستمر الحال مدا وجزرا بين تلك التيارات المتباينة إلى ما بعد الاستقلال, ففي هذه المرحلة الجديدة اتجه الصالون نحو وجهة أخرى عندما أصبح يضم أعمال التونسيين، وما زال إلى يومنا هذا يمدنا برسوم الهواة الشبان حيث ينبأ جانب من انتاجاتهم عن مواهب ثرية  محاولين في الحين نفسه "تأصيل" ممارساتهم الفنية مع مجاراتها  في ركب المعاصرة والحداثة.


1(  مركز ثقافي أسس سنة 1893، لعب دورا هاما في نشر العلوم والفنون الفرنسية واختص بأبحاث تاريخية واجتماعية لتونس، روج دراساته وبحوثه من خلال "المجلة التونسية" التي صدرت من سنة 1894 إلى 1945. كان يتركب "معهد قرطاج" من عدة هيئات منها هيئة العلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية و هيئة الآداب و الفنون.
2(  لويس شالون (1866-1916) تتلمذ على الرسامين ج. لوفابر (J. Lefêbre) وبولنجى (Boulanger)،  شارك في معرض باريس (1898-1911) وقدم لوحات لمواضيع كلاسيكية وميثولوجية.
3) في صالون 1912 خصصت القاعة الكبرى لعرض أعمال هنري قستاف جوسو (Henri-Gustave Jossot) و في السنة الموالية عرضت أعمال بيار قردو (Pierre Gourdault) ثم إبان الحرب العالمية الأولى (1914) افرد الصالون التونسي ركنا لأعمال بريفورت برشي (Antonin Bréfort-Porché) أستاذ التصوير بمعهد كارنو.
4) عين آلي بلوندال (Elie Blondel) أول رئيس للصالون التونسي و خلفه في رئاسة اللصالون لمدة عامين (1911-1912) ألفونس كليمون (Alphonse Clément²) (الذي كان يمارس على الخصوص فن الحفر) ثم تولى بعدهما ألكسندر فيشي لمدة ستة و خمسين سنة رئاسة الصالون التونسي إلى وفاته  و كان قد استقر بالايالة منذ 1902 اضطلع برئاسة الهيئة الفنية لمعهد قرطاج ، وكان ناقدا فنيا مائلا بأفكاره إلى الاشتراكية. و قد كتب في عدة مجلات فرنسية مثل "تونس الاشتراكية" و"الكاهنة" و"شمس" و"تونس المصورة"، و أسس منذ سنة 1905 "الانطلاقة" (L’Essor) التي كانت تقام فيها مهرجانات ونقاشات أدبية متنوعة. توفي سنة 1968 و دفن بمقبرة بو رجل بتونس.
5) وجهت هيئة "معهد قرطاج للآداب و العلوم و الفنون" دعوة إلى "جمعية الرسامين المستشرقين الفرنسيين" للمشاركة بأعمالهم الفنية بالصالون التونسي لسنة 1897, فقد احتوى القسم الأول من هذا الصالون على مائة من الأعمال لثمانية و عشرين رساما  ورد معظمها من فرنسا.
6) نذكر من بينهم: الروسي ألكسندر روبتزوف (Alexandre Roubtzoff  الذي تحصل فيما بعد على الجنسية الفرنسية والبلجيكي جان لويس مين (Jean Louis Minneوالسويسري مرسال أترنود (Marcel Aternod) والهولندي ليو نردوس (Léo Nardus) والإيطاليين فرنسسكو فرنشتي (Fransesco Franchetti) و أنتونيو كربوناتي (Antonio Carbonatti) وايمانوال بتشيو(Emmanuel Botciori)
7) لهنري دابادي لوحة ضخمة بعنوان "صيد سمك البوري" محفوظة بمتحف دار الحوت بقرطاج بيرصا .