dimanche 25 février 2018

إجازة في قراءة الورد القادري



إجازة في قراءة الورد القادري من شيخ الطريقة القادرية بدمشق إلى ولي العهد محمد الهادي باي, "مجلة معهد الآدب العربية ", عدد 194، السنة 76، 2-2004، ص. 77-92


هذه إجازة أجازها شيخ الطريقة القادرية بدمشق سلالة الأشراف أبو بكر الكيلاني إلى ولي العهد محمد الهادي باي في قراءة الأوراد القادرية، أطلعتني عليها الأميرة زينب ابنة المرحوم عبد العزيز البكوش (رئيس قسم الترجمة بالوزارة الكبرى سابقا)، وقد نشأت هذه السيدة الكريمة في كنف أختها الكبرى قمر وزوج أختها محمد الطاهر باي الذين تبنياها منذ الصغر وتوليا العناية بتربيتها فدرجت على الأخلاق الفاضلة وسلامة الذوق.
ومحمد الطاهر هو الابن الأكبر لمحمد الهادي باي الموجهة له هذه الإجازة، وكان محمد الهادي باي آنذاك باي المحال أي ولي العهد قبل ارتقائه لكرسي الإمارة عند وفاة أبيه علي باي الثالث سنة 1320/1902، وكان متصفا بالجود وعلو النفس، وكان فيه بعض انقباض عن فرنسا مما أدى إلى نفور بينه وبين بعض رجال دولته. وقد أظهر العناية بالعلوم الإسلامية فكان يحضر أختام الحديث، وقام بطبع كتب من تلك الأختام[1]،

________________________________________________

[1]  انظر : محمد السنوسي، مسامرات الظريف بحسن التعريف، دار المغرب الإسلامي، بيروت، 1994، تحقيق الشيخ محمد الشاذلي النيفر، ج 1 الملاحق ص 457.

2 محمد الطاهر باي، ولي باي المحال من سنة 1939 إلى سنة 1941 مدة عمه أحمد باي الثاني 1929-1942. انظر محمد صالح مزالي، الوارثة على العرش الحسيني ومدى احترام نظامها، الدار التونسية للنشر 1969، ص 47.


إلا أن مدته لم تطل إذ أقعده المرض وعوضه في إجراء شؤون القصر ابنه محمد الطاهر إلى وفاته سنة 1324/1906، وكان محمد الطاهر باي يتميز من بين الأمراء بالحنكة والرأي السديد وصموده في مواقف الحق، وكانت له مشاركة طيبة في علوم العربية والفرنسية (2(.
وهذه الوثيقة تعتبر في حد ذاتها مثالا بديعا يدلنا على ما كانت عليه صناعة الوثائق والمخطوطات التي لم تزل إلى عهد غير بعيد مزدهرة في العالم العربي عامة، وبدأت في الانقراض بظهور الطباعة ورواج الكتب والرسومات المطبوعة. وهي تعكس لنا من حيث مضمونها ظرفا تاريخيا معينا وحقبة من الزمن كان للطرق الصوفية فيها سلطان على الحكام والأمراء ذاتهم فضلا عما كان عليه عامة الناس من الإقبال على الأوراد والأذكار والحرص في الحصول على الإجازات في قراءة تلك الأوراد المأثورة على أقطاب الصوفية وشيوخها.
وهي نسخة نادرة من نوعها على ورق من الكاغد طوله 150 صم وعرضه 28 صم مذيل في أعلاه بقماش من الحرير الأخضر محفوظ في علبة أسطوانية من القصدير المطلي ببرنيق أرجواني مزخرفة بعناصر بارزة من النبات المورق والأزهار.
ونص الوثيقة بخط مستوحى من أسلوب الخط الديواني بحروف كبيرة الحجم حسنة واضحة. ويحتوي على ثمانية وثلاثين سطرا يفصل بينها خطوط بالمداد الأحمر لأجل استقامة الكتابة (أنظر الصورة: أ)، وقد طوق النص على حافتيه اليمنى واليسرى ومن أعلاه بإطار مكتوب عليه أسماء الله الحسنى تارة بالأسود وتارة بالرمادي. ونجد في الطرف الأعلى رسم هلال بالأحمر يحيط بطابع مستدير منقوش في وسطه بخط التعليق الجلي جزء من الآية الكريمة "نصر من الله وفتح قريب" (الآية 13 من سورة الصف). وحول طوقه الخارجي هذه العبارة "ولد الشيخ محيي الدين عبد القادر الكيلاني سنة 471 وتوفي رضي الله عنه سنة 571" (انظر الصورة ب)، وعلى جانبي الهلال في إطارين مثلثين كلمتي "الله جلّ جلاله" و"محمد صلى الله عليه وسلم".
وتحت آخر سطر من النص طابع أقل حجما من الأول موقع مرتين يحمل بخط التعليق في تكوين لولبي متقن اسم الموقع عليه وهو قوله "المفتقر إلى الله الراجي رحمة مولاه الحاج السيد أبو بكر بن الحاج السيد مصطفى، 1297" (1872), وفي النهاية من الأسفل في شكل مربع قوله "وحرره في يوم الجمعة في عشرين من شوال المبارك سنة 1316، سنة ستة عشر وثلاثمائة وألف من هجرة من له العز والشرف" (1897).

و الإجازة نثبتها فيما يلي بنصها:
بسم الله الرحمان الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، الحمد لله الذي أطلع أنوار السادة القادرية في سماء العهود، وجل جماله في مرآة الشهود، واختار منهم أولياء فجعلهم أحبابه فنالوا بفضله السعادة والسعود، وأورثهم أرضه وأسكنهم جنات الخلود، فقاموا بواجب طاعته ورغبوا فيما عنده فاستبشروا بعطائه المورود، أحمده سبحانه وتعالى على ما أعطى من غاية البغية والمقصود، وأشكره وأتوب اليه وأستغفره من كل زيغ وجحود، وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له شهادة عبد صدق بكرامات الأولياء وتعاطى التقاط فوائد الأصفياء بكل المجهود، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الأول في ايجاد الوجود، الذي أوصى بحفظ المواثق والعهود.
أما بعد فاني قد أردت لحضرة مولانا رفيع الشأن صاحب القدر والإحسان ولي العهد بالديار التونسية، مولانا محمد باي ابن حضرة مولانا أمير المؤمنين وواسطة عقد السلالة الحسينية، وإنسان عين أعيان الأمراء في الإمارة التونسية، مولانا علي باشا باي تونس المحمية، أطال الله عمره، وأدام في المعالي بدره، وأعانه على نجاة بلاده من أعاديه وحساده، وأرغم بنصره أنوف أضداده، ولا زال التوفيق حاملا راية الفتح لأجناده، وخادما لسدته في اتهامه وانجاده، وجمع كلمة أهل مملكته على طاعته و وداده، وأقر عينه بنجابة أنجاله وأحفاده، آمين، الدخول في الطريقة القادرية أعني طريقة جدنا السيد الكامل العالم الفاضل قطب الأقطاب سيد الأنجاب الغوث محي الدين عبد القادر الجيلاني ابن موسى جنقروش ابن الإمام يحي الزاهد ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام جعفر الصادق قدس الله أرواحهم، وأذنته وأجزته فيها.
ومثله على علم من أن الطريقة المشار إليها توصي بالمواظبة عقب كل صلاة من الصلواة (كذا) الخمس بقراءة الورد القادري، وحيث أن مثله على علم، وعارف لا يوصى بما يتعلق بهذه الطريقة المشرفة، أعطيته هذه الإجازة تبركا بآل بيت سيد الأنام، ومصباح الظلام، من شرفه الله على جميع الأنام، وجعله ملجأ للخاص والعام، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأحفاده الشيخ عبد القادر نفع الله الجميع بصالح دعواته، وأفاض على الجميع من كامل بركاته.
قاله بفمه وسوده بقلمه، خادم السادة الكرام، و المشايخ العظام، العبد الفاني، الحاج أبو بكر الكيلاني شيخ الطريقة القادرية بدمشق الشام المحمية، لطف الله بحاله.
وحرره في يوم الجمعة في عشرين من شوال المبارك سنة 1316 (1897)، سنة ستة عشر وثلاثمائة وألف من هجرة من له العز والشرف.
                                                            ختام


 












الصورة أ  
                      
       الصورة ب


هذه الإجازة التي استعرضناها هي من الإجازات التي كان أشياخ الصوفية يجيزون بها المريدين الراغبين في الدخول في طريقتهم. ومن قواعدهم أن التأثر الروحي لا يتأتى إلا بواسطة شيخ يرشد ويعطي العهد بالطريقة ويجيز فيها.
وكان شيوخ الطرق لا يسلمون الإجازات إلا لمن حسنت منه السريرة، وعقدوا فيه الثقة، ورأوا فيه استعدادا لملازمة ما يقتضي الدخول في الطريقة من شروط المداومة على الرياضة الروحية، والتطوع لقراءة الأوراد والأدعية، والعمل بأحكامها وآدابها، وينتهي نص الإجازات عادة بنصح الإتباع بالتقوى.
والإجازة لغة من جوز له وأجاز ما صنعه أي سوغ له ذلك. وفي المعجم الوسيط "أجاز العالم تلميذه أذن له في الرواية عنه، واستجاز فلانا طلب منه الإذن في الرواية عنه".
وأصل الإجازات أن تكون في شتى العلوم والفنون سواء في ذلك الفقه والحديث والتاريخ والتراجم والأدب. وقياسا على ذلك كانت الإجازات في الأحزاب والأوراد عند أهل الصوفية. وكان مشايخ العلم يكتبون الإجازات بما اجتمع عندهم من رواية شيوخهم بعد قراءتهم عليهم أمهات الكتب. فالإجازات تسجل ما سمعه كل طالب عن أشياخه من الكتب والسماعات والترخيص له في روايتها وإقراءها عنهم. ولا يعد منهم عالم بكتاب ما لم يكن قد رواه عن أستاذه الذي أجازه، حتى يبلغ بسنده إلى مؤلفه. وكثيرا ما نصادف في صدور المخطوطات القديمة أو ذيولها إجازات تنص على أن الكتاب قد سمعه من مصنفه أو من عالم ثقة واحد أو كثير من الناس، وتسمى هذه الإجازات "إجازات السماع" أو "السماعات".
ففي القرون الأولى من الهجرة كانت العلوم تقوم على الرواية الشفهية، فكانوا ينصون أن فلانا روى عن فلان أو أخذ عنه أو قرأ عليه أو تفقه به، ويثبتون ذلك بإجازة يكتبها الشيخ أو يحررها الطالب ويقرها الشيخ. ثم صار إثبات السماعات نهجا تقليديا يحتذى لدى قراءة الكتب في المدارس والمساجد. وكثرت هذه السماعات في القرن السادس والسابع (13-14م) كثرة وافرة.
وأكثر الإجازات ترد خاصة في الحديث الشريف، يكون فيه تسلسل بين الرجال الراوين له الذين يتناقلونه حفظا وسماعا، فتستند له أسماؤهم أي ترفع له. والمستند من الحديث ما اتصل اسناده عن طريق الرواة بلا انقطاع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وتكون درجة الحديث من الصحة والوثوق في ثبوت تلك الأسانيد ومعرفة الرواة والحفاظ. ففي مقدمة صحيح مسلم عن عبد الله بن المبارك "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". وقد وضع القاضي عياض كتابا في آداب سماع الحديث وإتقانه وضبطه وحفظه وأصول الرواية فيه، سماه "الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع" وتحدث فيه عن الإجازة في الحديث ووجوهها ونقل في شأنها نصوصا قيمة من مصادر عدة. 
وقد جرت العادة بأن كان الأقدمون من مشايخ الزيتونة يمنحون تلاميذهم الإجازات التي تؤهلهم للتصدر للتدريس، وغالبا ما كانت الإجازات تكتب وتمضى ويستظهر بها كعنوان لصاحبها على أهليته لعقد مجالس العلم، فهي تقوم مقام الشهادات العلمية التي تمنح اليوم. 

لما زار الفقيه المحدث الشيخ محمد المرتضى الزبيدي تونس, وهو من أشهر علماء الأزهر في عصره, اتصل بمشائخ الزيتونة و تزاحم التلاميذ للأخذ عنه, و كتب لهم الشهادة بالسماع و الإجازة, و بذلك شاعت الرواية عنه و انتشر خطه في الإجازات و الإثبات, و كتب السنة المقروءة عنه, وقد كتب إجازة لأبناء الشيخ محمد بن عبيد الغرياني القيرواني (ت 1216\1801) نصها "كذا أجزت لطلبة العلم اللازمين في حلقة دروس والدهم و لسائرأحبابهم و أصحابهم ممن فيه أهلية الحمل لهذا العلم .

هذه الإجازة توجد في مكتبة آل ابن عاشور, أنظرمحمد الفاضل ابن عاشور "ومضات فكر", الدار العربية للكتاب, توبس 1982 (امتزاج الأزهر بالزيتونة), ص 423.

ومما أجاز به شيخ الإسلام الحنفي العلامة محمد ابن الخوجة ابنه أحمد (الذي تولى في ما بعد خطة مشيخة الإسلام) وكان أكثر تتلمذه على والده2. إجازة مؤرخة بسنة 1271 /1875، أوردها الشيخ محمد الشاذلي النيفر في مقدمته لكتاب المسامرات جاء فيها: "فإن ولدي الفاضل الذكي الزكي الأريب، الحائز من العلوم أوفر نصيب، الأمجد الأنجد أبي العباس أحمد، فها أنا قد أجزت له إجازة في ذلك، أي الثبت وغيره، علما مني بأنها من وضع الشيء في محله ...." وأجازه كذلك الشيخ محمد بيرم الرابع اجازة نظما يقول في مطلعها:

بحمد الله أفتتح المقالا           وأشكره على النعمى تعالى3
________________________________________________

2  أحمد ابن الخوجة: ولد سنة 1245/1803، درس بجامع الزيتونة ثم تولى القضاء الحنفي (1277-1860-61) ثم الإفتاء، سمي شيخ الإسلام للمذهب الحنفي سنة 1294-1877 توفي عام 1313/1896.
3  محمد السنوسي، مسامرات الظريف، ذكر آنفا، ص 22.

وكانت خطة التدريس قديما تمنح للطالب باجتهاد الشيوخ والاختيار، لا عن طريق المناظرة والاختبار، اعترافا لهم بالتفوق والامتياز على أقرانهم. يقول المؤرخ محمد ابن الخوجة في كتابه معالم التوحيد: "واستمر الحال جاريا على قاعدة ولاية التدريس من رتبته الأولى والثانية اختيارا باجتهاد المشايخ النظار إلى زمن المولى علي باي الثالث، ففي سنة 1309/1891 صدر أمر كريم بجعل المناظرة على التدريس هو الأصل المعمول عليه في  الولاية و بذلك بطل ما كان للشيوخ من حق الاختيار" (4( .
وكان المشايخ يتحرون ولا يمنحون الإجازات إلا لمن أنسوا منه الكفاءة العلمية، لأن العلم أمانة، حتى أنهم كثيرا ما كانوا يلزمون تلاميذهم، وإن تقدم بهم السن، الاستزادة من طلب العلم ليكتمل زادهم وتكون لهم القابلية التامة والمقدرة الكافية التي تسمح لهم بالارتقاء إلى خطة التدريس.
وأخذ الإجازات كان شائعا لا سيما عند أصحاب الرحلات ممن صرفوا العناية بأخبار مشاهير العلماء والمحدثين والزهاد والمتصوفين الذين قصدوهم في ترحالهم واجتهدوا في جمع أكثر عدد من الإجازات عنهم لإثراء أسانيدهم. وأشهر من كتب في أدب الرحلات الأندلسيون والمغاربة، مثل أبي بكر بن العربي الأشبيلي، حافظ الأندلس (ت 543/1147) والوزير محمد بن أحمد ابن جبير، مؤلف "تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار" (ت 614/1217) ومحمد بن عبد الله ابن بطوطة الطنجي صاحب "تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" (ت718/1308). وأصبحت الإجازة خصوصا منذ بداية القرن الحادي عشر (17م) من الأصناف المتبعة بكثرة، وعلى هذا المنوال نسج أبو عبد الله بن محمد العياشي الفاسي صاحب "الرحلة الناصرية" (ت 1192/1717). وقد تضمنت الرحلة الحجازية لمحمد السنوسي التي قام بها في غضون سنتي (1299-1300/1882-1883( تراجم لثلاثة من أعلام العلم والتصوف ممن اتصل بهم وتلقى عنهم الإجازات، وذكر بعضا منها في الفصل الأول من الجزء الثالث من رحلته (5(.
والإجازة التي بين أيدينا موجهة إلى "محمد باي" والمعني به كما قلنا هو ولي العهد محمد الهادي باي، تسلمها عن شيخ الطريقة القادرية بدمشق "السيد أبي بكر بن مصطفى الكيلاني".

________________________________________________

4  محمد ابن الخوجة، تاريخ معالم التوحيد في القديم والجديد، دار المغرب الإسلامي، بيروت 1985، ص 90-91.
5  انظر محمد السنوسي، الرحلة الحجازية، تحقيق علي الشنوفي، الشركة التونسية للتوزيع، 1398/1978.

على أن هذه الإجازة لا تلمح بشيء عن المكان الذي كتبت فيه. ولا ندري على التحقيق إن كان محمد الهادي باي قد تسلمها مباشرة من شيخ الطريقة القادرية بدمشق أثناء رحلة قام بها إلى بلاد الشام، ولا يذكر التاريخ على حد علمي أنه سافر إلى المشرق، ولكن المعلوم أنه أدى أيام ملكه زيارة رسمية إلى فرنسا سنة 1321/1904، أو ما إذا كان الشيخ قد بعث إليه بهذه الإجازة عن طريق بعض الناس، وأغلب الظن أن يكون الشيخ قد زار تونس واتصل به الأمير هناك.
والسيد أبو بكر بن مصطفى الكيلاني هو من عقب الإمام الصالح عبد القادر الجيلاني أو الكيلاني أو الجيلي (بكسر الجيم وفتح الياء) ينتهي نسبهم إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما، منهم عبد الكريم بن الجيلي (ت762/1428) ابن سبط الشيخ عبد القادر الجيلاني، من علماء التصوف وله كتب كثيرة طبع منها "الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل" (في إصلاح الصوفية) و "الكهف الرقيم في شرح بسم الله الرحمان الرحيم"، ومنهم علي بن يحي بن أحمد الكيلاني الحموي (ت 1113/1702) شيخ السجادة بحماة سوريا، ونقيب الأشراف، له نظم جمعه في ديوان مخطوط بدار الكتب الظاهرية بدمشق، ومنهم محمد بن صالح بن عبد القادر الجيلاني الدمشقي (ت 1244/1828)، من تآليفه "نسمات الأسحار في فضائل العشرة الأبرار" (مخطوط في أربعة مجلدات بخطه في الخزانة الظاهرية)، ومنهم كذلك عبد الرحمان بن علي الكيلاني (ت 1345/1927)، نقيب أشراف بغداد ورئيس وزارة العراق الأهلية الأولى، وهو الذي أمضى المعاهدة مع البريطانيين في عهد الملك فيصل، ومن تآليفه  "الفتح المبين في الرد على ترياق المحبين".
وجدهم مؤسس الطرقة القادرية هو قطب الطرق الصوفية وسلطان الأولياء الشيخ عبد القادر ابن موسى جنقروش بن عبد الله بن جنكي دوست الحسني، أبو محمد محي الدين الجيلي أو
الجيلاني نسبة إلى جيلان مسقط رأسه الواقعة وراء طبرشان بإيران. ولد عام واحد وسبعين وأربعمائة (471/1078) والتحق في السابعة عشر من عمره ببغداد، فتبحر في علمي الشريعة والحقيقة، ودرس الفقه الحنبلي على أبي سعيد المخرمي، واعتنى بأخذ الحديث وسمع منه أبو سعيد عبد الكريم بن محمد السمعاني المروزي-  الرحالة والمؤرخ والمحدث (562/1167)- وأخذ الآداب عند إمام اللغة الخطيب التبريزي، أبي زكرياء يحي بن علي الشيباني، الذي كان تلميذا لأبي العلاء (ت502/1109)، ولازم الشيخ عبد القادر الجيلاني العارف بالله أحمد الدباس وأخذ عنه علوم الباطن. وقد صنف في الأصول والفروع وألف عدة أحزاب سماها الصلوات الصغرى والوسطى والكبرى، وله كتب طبعت منها "السفرية لطالبي طريق الحق" و "الفتح الرباني" و "فتوح الغيب" و "الفيوضات الربانية" ومما يؤثر عنه أنه كان يأكل من عمل يده.
عقد المجلس سنة (528/1134) وجرت على لسانه الحكمة وبرع في أساليب الوعظ، فشاع صيته بين الناس وأتوه من كل حدب وصوب.
توفي في بغداد سنة (561/1165)، ومشهده يزوره كل عام جموع من أتباعه تبركا به.
ورزق تسعة وأربعين ولدا حمل أحد عشر منهم تعاليمه ونشروها في الآفاق فبلغت منتهى الشهرة (6(.
وقد اجتمع بالشيخ عبد القادر الجيلاني في مكة أبو مدين شعيب بن الحسن الأندلسي، الملقب بالغوث، دفين تلمسان (ت 594/1198)، وتسلم منه الطريقة ولبس الخرقة من يديه. واجتاز أبو مدين تونس عند إيابه من الحج فأقام بها مدة، وكان يجتمع بالأصحاب من كبار الزهاد وأهل الفضل بمسجد سوق السكاجين (المعروف إلى يومنا بمسجد أبي مدين)، وهم عبد العزيز المهدوي وأبو سعيد الباجي ومحمد الدباغ (والد صاحب معالم الإيمان) وأبو علي النفطي والطاهر المزوغي السافي وجراح بن خميس (دفين المرسى) وابن صالح بن محمد التونسي وأبو يوسف الدهماني وغيرهم ممن تلقوا عن الشيخ أبي مدين الطريقة القادرية. وداوم البعض منهم على زيارته ببجاية عند انتقاله إليها بعد إقامته بفاس.
فالطريقة القادرية من أعرق الطرق الصوفية عهدا بإفريقية. ظهرت في القرن السابع (14م) قبل الشاذلية والرحمانية، وكلتاهما متفرعتان عنها. وحددت رسومها عند قدوم الاتراك في القرن التاسع (16م) لاعتقادهم في القطب عبد القادر الجيلاني. وقد تبنى السلطان العثماني هذه الطريقة وكانت منتشرة بالأندلس على عهد ملوك بني نصر بغرناطة فتعززت بإفريقية عند حلول الجالية الأندلسية بها. وكان المولى حسين بن علي رأس الدولة الحسينية شديد التعلق بأذيال الشيخ الجيلي ملازما لخدمته،

________________________________________________

6  أنظر محمد البهلي النيال، الحقيقة التاريخية للتصوف الإسلامي، مكتبة النجاح للنشر والتوزيع، تونس، 1965 ص 102، خير الدين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، ج4، س 47، J.ARBERRY,Le Soufisme, Abbeville, France, 1952, p98

 كما بين ذلك مؤلف المشرع الملكي، إذ سعى هذا الباي في ترميم زاوية كانت بسوسة أوقف عليها أوقافا ونسبها إلى الطريقة القادرية، وأشاد بمدينة قفصة مدرسة للقادرية7) .(
غير أنه لم يكن لهذه الطريقة شيخ يجتمع حوله المريدون إلى أن برز العارف الشيخ علي بن عمر الشائب أواخر القرن الثاني عشر (18م) الذي انخرط في الطريقة وتسلمها بالمدينة المنورة عن الشيخ الصوفي محمد بن عبد الكريم الشهير بالسمان (ت 1189/1776). وعند رجوعه إلى تونس اشتهر علي الشايب بالصلاح ووثق به الأمير حمودة باشا (1196-1229/1781-1813) وشرع في نشر الطريقة وإقامة أورادها ووظائفها، وأسس لذلك زاوية ببلدته منزل أبي زلفة، ولم يتمها وتوفي بالطاعون، فأكمل بناءها الأمير حمودة باشا وأصدر فيها أمرا برعايتها. وتولى المشيخة بها بعد وفاة الشيخ علي الشائب تلميذه الأكبر محمد بن فرج المعروف بالإمام المنزلي، وكان ينظم الأشعار (1248-1832). وأعقابه توارثوا القيام على الزاوية وخطة الخطابة والإمامة بجامع المنزل، وأول من باشرها منهم جدهم الأعلى الذي أتى من مصر حتى اشتهرت أسرتهم إلى اليوم بعائلة الإمام (8(.
وقد أجاز الشيخ علي الشائب تلميذه محمدا الإمام بإجازتين وسندين، لأنه أخذ الطريقة في المرة الأولى كما أسلفنا عن الشيخ محمد السمان بالحجاز، وأجازه بإسناده فيها، ثم عند سفرته الثانية إلى بغداد زار مقام الشيخ عبد القادر الجيلاني فأجازه بعض أحفاد الشيخ الجيلاني بأسانيده. قال عنه تلميذه أحمد الحربي "...شيخ الطريقة القادرية والمجيز فيها بالقطر الإفريقي لأن الإسناد في الطريقة المذكورة كان لا يوجد بإفريقية في القرن الثاني عشر (19م)".
وعندما انتصب محمد الإمام شيخا على زاوية المنزل كان مبجلا لدى المولى محمود باي (1230-1239/1814-1824) الذي أسدى إليه معروفا وإحسانا وخصه بطابع يوقع به الإجازات، ومن تلاميذه القيروانيان أحمد بن محمد الحربي (ت 1284/1868) ومحمد بن صالح عيسى الكناني (ت 1294/1875)، وللأول "شفاء الأبدان في المتأخرين من صلحاء القيروان" وهو تتمة لكتاب "معالم الإيمان في معرفة أولياء القيروان" للدباغ،

________________________________________________

7  أنظر Mohamed Seghir Ben Youssef, Chronique Tunisienne, tr par Victor Serres et Mohamed Lasram, Bouslama, Tunis 1976, p 9-10-79-106.
8  أنظر محمد محفوظ، تراجم المؤلفين التونسيين، دار الغرب الإسلامي، بيروت ، 1982 (الإمام المنزلي، ص 68-69).

 وقد أهمل الكثير من صلحاء القيروان ولم يستقصهم، وختمه بترجمة أستاذه محمد الإمام، وللثاني "تكميل الصلحاء والأعيان" جعله ذيلا لمعالم التوحيد ونقل فيه الكثير عن كتاب "شفاء الأبدان" (9(.
وكما واظب الأمراء الحسينيون الأولون على الطريقة القادرية، لازم واسطة عقدهم أحمد باي المشير الأول (1253-1271/1837-1855) الطريقة الشاذلية. وقد حضر بنفسه موكب جنازة الشيخ المفتي الأول محمد الشاذلي بن عمر ابن المؤدب، شيخ المقام الشاذلي، المتوفى سنة 1263/1842. قال عنه ابن أبي الضياف: "وحمل نعشه ومشى في جنازته كواحد من أهل الطريقة وهو من أهلها (10(.
وانتسب الملوك الحسينيون المتأخرون إلى الطريقة التيجانية التي أتى بها إلى تونس عالم القطر الشيخ إبراهيم الرياحي (بعد اجتماعه بالقطب أحمد التيجاني عند سفارته بالمغرب لطلب الميرة عام (1212/1811)، فكان غالب حاشية القصر الملكي منذ ذلك الحين متبعين لهذه الطريقة والناس على دين ملوكهم. ولم يزل فرع علي باي الثالث متمسكين على عادتهم بالطريقة القادرية سالكين في ذلك مسلك أجدادهم إلى وقت قريب.
ولم تلبث أن انتشرت القادرية في أماكن عدة من أنحاء المملكة، وخاصة الجهات المحيطة بالكاف، وتعرف زواياها أيام الأعياد بألوية حمراء تكون في غاية الارتفاع. ومن أشهرها زاوية نفطة التي تأسست سنة 1264/1843، وقد ساعف صاحبها إبراهيم بن أحمد الكبير
الأمير عبد القادر في مقاومته للغزو الفرنسي بأرض الجزائر وأمده بالذخيرة والسلاح وحتى بالجنود11) .(
وأقام الحاج محمد المازوني المغربي أصيل مازونة بمنطقة وهران زاوية بالكاف عند استقراره بها عام 1250/1834. وقد وردت على ما يقال في شأنه كرامات من ذلك أنه كان يتنبأ بما سيقع من الأحداث ويطلع على ما يجول في خاطر المتحدث له، كما عرف عنه أنه لما وقعت حرب القرم بين تركيا وروسيا عام 1262/1854 وقرر أحمد باي التبرع بشيء من المال لصالح الدولة العثمانية
 ________________________________________________

9 محمد بن صالح عيسى الكناني، تكميل الصلحاء والأعيان لمعالم الإيمان في أولياء القيروان، تحقيق وتعليق محمد العنابي، المكتبة العتيقة بتونس، 1970، ص 285.
10  أحمد بن أبي الضياف، اتحاف أهل الزمان، دولة أحمد باي، تحقيق أحمد بن عبد السلام، الشركة التونسية للتوزيع، 1985، ص 152.
11  أنظر لطيفة الأخضر، الإسلام الصوفي، دراسة في موقعه من المجتمع ومن القضية الوطنية، دار سراس للنشر، تونس، 1993، ص 45.

رفض الحاج المازوني أداء المعونة المالية وبدا له عدم وجوبها وفضل صرف ما جمعه في شراء القمح وتوزيعه على المحتاجين، ثم تبينت رجاحة رأيه في ما بعد عندما رجع الجيش التونسي من غير طائل وهلك منهم عدد كبير.
ثم أقام الحاج محمد المازوني زاوية أخرى بمدينة تونس بنهج الديوان سنة 1266/1845، فكانت أول زاوية قادرية بالحاضرة. وحبس كل من محمد بيرم الخامس وحمدة بطيخ على رقابتها عدة أحباس وممن ولي عليها الشيخ محمد ابن شعبان إمام جامع باردو المتوفي سنة 1337/1918 والمشيخة باقية في أحفاده.
وبعد وفاة الحاج محمد المازوني انتصب قدور "ابن مقدم زاوية الكاف" آنذاك شيخا عليها وعلى زاوية الحاضرة. وقد خصه الحاج محمد المازوني بمنزلة الابن ولم يكن له عقب فورث عنه الولاية ودعا نفسه باسمه. وقد وقف موقف الخذلان عند الاحتلال الفرنسي، وكانت بينه وبين روا (Bernard Roy) عون القنصل الفرنسي بمدينة الكاف مراسلات، فعندما اقتحم اللواء لجيرو (Gl. François Logerot) بكتيبة من الجيش هذه المدينة، وكان ذلك يوم السادس والعشرين من أبريل 1881، سعى قدور المازوني لصد المناوشات التي أوشكت أن تتحول إلى مقاومة وحمل المناهضين على النكوص وعدم معارضة احتلال مدينتهم، في حين كان يومذاك شيخ الزاوية الرحمانية بالكاف علي بن عيسى يستنفر الناس ويناديهم بالجهاد (12(.
وقد اتخذ غالب مشايخ الزوايا سياسة التخلي والامتناع عن العون والنصرة للمقاومين الثائرين الذين بادروا القوات الغازية بالتصدي. وكانت جل القبائل في حالة انتفاضة عارمة يسيرها علي بن خليفة قائد نفات.

________________________________________________

12  أنظر التليلي العجيلي، الطرق الصوفية والإستعمار الفرنسي للبلاد التونسية (1881-1939)، الجامعة التونسية، كلية الآداب 1986-87 (أطروحة للمرحلة الثالثة).

واتسم شيوخ الطرق بالرضوخ والامتثال لسلطة الغالب نظرا للمكانة المرموقة التي كانوا يتمتعون بها وما كانوا يتقاضونه من الضرائب التي يجمعونها من أتباعهم بقيادة الجنرال بربارت. وقد شوهد البعض منهم من بين الوفود التي وقفت على أبواب المدينة لاستقبال العسكر عند دخولهم للحاضرة، ولعل منهم من لم يجد بدا من الاذعان والقبول لمثل هذا التصرف اعتبارا للمنصب الوجيه الذي كان يشغله في ذلك الوقت وحفاظا عليه.





شيخ زاوية يحرض على الجهاد (ضد الاحتلال الفرنسي), محفورة نشرت بمجلة "L'Illustration", عدد 2016, 15 أغسطس 1881 ,Collection G Bacquet
ومن المبالغ فيه أن ندعي بأن أصحاب الزوايا كانوا في جملتهم متواطئين مع الاستعمار، فإن بعضهم، خاصة منهم الرحمانية، ساهموا في المقاومة مساهمة فعالة وقاموا في وجه العدوان، إلا أن مثل هذه الردود لم تكن عامة وكانت أغلبية الزوايا في استقالة وحل تام من القضية الوطنية وعدم المشاركة في الكفاح الشعبي ضد نظام الحماية, ومما يذكر في حوادث 9 أبريل 1938 أن أحمد سالم بن زواري (الملقب بقدور نسبة إلى جد أمه الذي خلفه في مشيختي الزاويتين بالحاضرة والكاف) ذهب إلى مركز المراقبة المدنية حيث أعلن أمام المراقب المدني الفرنسي عن طاعته وولائه للدولة الحامية (13).
وقد دفعت هذه المواقف بالنخبة الوطنية منذ فجر هذا القرن إلى إعلان الحرب على الزوايا. وكان للزعيم السياسي عبد العزيز الثعالبي كرة على أصحاب الطرق. فعند رجوعه من الهجرة إلى المشرق سنة 1902 بدأ يكون جيلا من الشبان يرشدهم إلى فهم أسرار الدين فهما صحيحا ويدعوهم إلى نبذ الجمود الفكري والطرقي ونشر الأفكار العصرية التي ترمي إلى النهوض بشعبهم نهوضا أدبيا واجتماعيا. وكان تحامله على الطرق مظهرا من مظاهر دعوته الإصلاحية التي كان ينادي بها، وكان ذلك من الدواعي التي أدت إلى محاكمته واعتقاله في السجن لمدة شهرين. واثر سراحه أسندت إليه مسؤولية الإشراف على النشرة العربية لجريدة "التونسي" فكان حينئذ من أبرز رواد حركة الشبان التونسيين. وقد عرج محمد الأصرم أحد عناصر هذه الحركة في محاضراته التي ألقاها في المؤتمر الاستعماري المنعقد بمرسيليا أوائل سبتمبر 1906 على الوضع الذي كان سائدا في مجتمعه. ومن القضايا التي تناولها بالنقد قضية الطرق الصوفية، إذ اعتبرها عاملا من عوامل التخلف وحائلا دون التقدم والرقي الاجتماعي. ومن بين الوسائل التي طالب بها أن تتخذ إجراءات حاسمة للقمع أو الحد من نفوذ الزوايا ومقاومتها بتنوير العقول وإنشاء مدارس لتعليم العامة تعليما عصريا.

________________________________________________

13  المرجع السابق، ص 95.

والبيئة التونسية مازالت منذ عهد غير بعيد مستغرقة في غيبوبة صوفية كما كان الحال في غالب أنحاء العالم الإسلامي، كانت تعيش أزمة من التعصب والجمود والمغالاة في الاعتقاد في الأولياء. فقل أن تجد فردا من أفرادها لا ينتمي إلى طريقة من الطرق، كل الناس باديهم وحاضرهم خاضعين لهيمنة الزوايا، منهمكين في بناء المشاهد والأضرحة لا يألون جهدا من التبرك بها وتقديس أمواتها والنذور لهم بالذبائح والقرابين واستعمال السحر والطلاسم وما إلى ذلك من مسالك الشعوذة والدجل والأوهام الباطلة التي لا تجدي نفعا والتي كانت سائدة على العقول، وهي من رواسب الوثنية التي قاومها الإسلام أشد مقاومة.
ولا يفوتنا القول بأن هذه البدع الزائفة التي ظلت باسطة جناحها على المجتمع الإسلامي مدة قرون لا تفرض القول بأن الطرق الصوفية لم يكن لها في العهود الماضية غير الجوانب السلبية، ففي ظرف تاريخي عصيب لاقى فيه العالم الإسلامي تيارات عنيفة من الضعف والانحلال، قامت الزوايا مقام المدارس في إيواء طلبة العلم وتلقينهم المبادئ الضرورية من الدين، ونشر الثقافة العربية الإسلامية وإفشائها في الأصقاع القريبة والنائية، فحافظت تلك الثقافة على كيانها وإن كانت منطبعة بطابع الجمود. وقد تركت الطرق أثرا مهما في الأدب نثرا وشعرا لا سيما في فنون الغناء والإنشاد (14)، وكثيرا ما اعتمد الحكام على مشايخ الصوفية في التعبئة الروحية للجهاد وصد غارات العدو. وقد حركت الطرق الصوفية المقاومة في المغرب الأقصى ضد الزحف المسيحي في القرن الثامن (15م).
وعند استيلاء الجيش الفرنسي على أرض الجزائر قام شيخ زاوية القادرية الشيخ محي الدين ابن مصطفى، بمدينة معسكر بعمالة وهران، بأعباء القيادة والحكم، وجرت له مصادمات مع القوات الفرنسية. وظل ابنه الأمير عبد القادر رمز الجهاد والصمود في حربه لفرنسا وكانت بينه وبينها وقائع مشهودة (15).
و لا يفوتنا أن نذكر الدور البطولي الذي قام به الفقيه المربي و القائد السياسي, شيخ الطريقة الشابية, عرفة الشابي (سيدي عرفة كما شاعت تسميته عند العامة) حينما جمع حوله شتى القبائل التي كانت متناثرة فألف بينهم و أعلن المقاومة و الجهاد ضد الزحف المسيحي على إفريقية الذي شنته جيوش ملك إسبانيا شارل الخامس بإيعاز من عميلهم الحسن الحفصي طمعا في استرداد ملكه الذي انتزع منه, و سيدي عرفة هو ابن الشيخ أحمد بن مخلوف الشابي, مؤسس الطريقة الشابية, وهو أحد أقطاب التصوف في العهد الحفصي و من أبرزفقهاء المالكية, و قد انتشرت طريقتة, المتفرعة عن الشاذلية, في عدة أقطارإسلامية غربا و شرقا (16)
ومما لا ريب فيه أن ما كان يصبو إليه الصوفيون من التربية الروحية ومن الزهد والانقطاع والولع والتوبة والرضا، إنما هي أمور يحث عليها الإسلام ويعمل من أجلها، لكن الذي ذهب إليه بعضهم من الحلول والاتحاد والفناء وسلوك طريق المجاهدات الصعبة، إنما هي أمور انحدرت من مصادر داخلية عن الإسلام كالهندوسية والبوذية والأفلاطونية والزرداشية والمسيحية.

________________________________________________

14  انظر الصادق الرزقي، الأغاني التونسية، الدار التونسية للنشر 1989 (كلمة عامة في الطرق بالقطر التونسي) ص 101-155، فتحي زغندة، الطريقة السلامية في تونس، أشعارها وألحانها، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، 1991.
15 Ahmed NADIA, « les ordres religieux et la conquête française (1851-1880) », Revue algérienne des sciences juridiques, économiques et politiques, vol IX, n°4, déc 1972 ; p.819-868.  )(116    

)16)  أنظر علي الشابي "عرفة الشابي رائد النضال القومي في العهد الحفصي" تونس ليبياو= الدار العربية للكتاب يناير 1982

لئن ظهر التصوف في العصور الذهبية وعلى عهد الدولة العباسية في إطار فلسفي وفكري راق، إلا أنه في القرون المتتالية لما شهد العالم الإسلامي تدهورا سياسيا واجتماعيا وثقافيا اضمحل منه ذلك النقاش الفلسفي، وحل محله التحجر والتصعب الفكري، فتسرب التصوف إلى افريقية في شكله الطرقي، ووجد إقبالا من العامة الذين حرفوه عن مواضعه، فأصبح بابا واسعا ولجت منه كثير من السلبيات مثل التواكل وإلغاء شخصية الفرد وتقديس شخصية الشيخ فضلا عن كثير من الضلالات التي انجرت عن ابتداع الغالين والجهلة بعد موت الأقطاب من الصوفية بمدة طويلة.
وقد تقلص نفوذ الطرق الصوفية في معظم أنحاء العالم الإسلامي، وتراجع في المجتمع التونسي لا سيما مع النهضة الإصلاحية التي عرفتها البلاد منذ نهاية القرن الماضي، فلم يعد لهذه النزعة اليوم ذلك السلطان الذي كان لها من قبل. (17)

)17) وهبت هذه الوثيقة إلى دار الكتب الوطنية, و سلمتها إلى المديرة السيدة رجاء ابن سلامة, صبيحة يوم 17 جانفي 2019. 

lundi 8 janvier 2018

محفورة على خشب تمثل السلطان الحفصي مولاي الحسن




            محفورة على خشب تمثل السلطان الحفصي مولاي الحسن


 "رحاب المعرفة" السنة 6- العدد 34، جويلية – أوت 2003 ص 304-308.

خالد الأصرم

                    
       إن من بين النصوص الكتابية والوثائق القديمة والآثار المادية التي يخلفها لنا التاريخ، والتي يعتمد عليها المؤرخون كمراجع أساسية لبحوثهم، مادة لا تقل أهمية عن هذه المخلفات، وأعني بها التصاوير والرسوم التي أبدعها مصورون ورسامون في زمن ما، تنقل لنا مشاهد عن حياة الإنسان في ذلك الزمان.
            
فقد اهتم المؤرخون العصريون بهذا الصنف المتميز بخصائصه عن الأصناف المعهودة من القديم، وأصبحت التصاوير والرسوم لديهم مرجعا ممتازا يستندون إليه أيما استناد في تحقيق دراساتهم، إذ يكشفون به عن جوانب تغفل عنها أحيانا النصوص المكتوبة ولا يمكن الظفر بها من غير ذلك الطريق.

ومن بين الأشكال التي تتضمنها تلك التصاوير والرسوم، موضوعات دينية أو موضوعات أسطورية أو التي تخلد الأحداث والوقائع التاريخية، وكل المشاهد المتنوعة التي من شأنها أن تعكس لنا بيئة الإنسان وكيفية عيشه وعقائده وعاداته.

ومنها ما يمثل ذوات الأفراد من الناس، وهو ما نعبر عنه بالتصوير الشخصي أو الذاتي، تميزت به فنون حضارات متوالية منذ أقدم العصور، وتطورت أساليبه على مر الأزمان، لا سيما منذ بداية النهضة الأوربية، إذ أصبح نمطا مستقلا له قواعده ورموزه وأساليبه (genre du portrait)، فهو يسجل المظهر الخارجي للأشخاص من خلال هيئاتهم وملامح وجوههم وكيفية ألبستهم والشارات والشعارات التي يتميزون بها، وكل العلامات التي تبرز أوصافهم الخلقية وتركز على صفات البطولة أو السلطة أو القدسية التي تتجسم فيهم، معبرة عن الجانب الذاتي والمادي من كيانهم، وفي الوقت نفسه عن القيمة المعنوية والفضائل المثالية التي يتحلون بها.
فإن تعلق اهتمامنا باقتفاء آثار رجالات من مشاهير بلادنا، ممن خلفوا ذكرا مجيدا أو لعبوا دورا بارزا في عهد من العهود، باحثين عن جوانب من حياتهم، فعلينا ألا نكتفي بما تدلي به التراجم و السير ومعاجم الأعلام من معلومات عنهم، وما تمدنا به النصوص التاريخية حولهم من إفادات، بل تكون مراجعة الوثائق التصويرية والرسومات الذاتية التي تمثلهم دليلا ماديا ملموسا يمكن أن يسعفنا بجزئيات دقيقة ويغذي مخيلاتنا، فتكون صورهم أعلق ببالنا وأبلغ في أذهاننا، حتى كأننا نشاهدهم مشاهدة حسية ونراهم رؤية العين، هذا إلى جانب ما يمكن أن تكشف لنا عنهم آثارهم المكتوبة  كما عنى المنصور بن عامر عند قوله:

آثاره تنبيك عن أخباره               حتى كأنك بالعيان تراه

وان ظل هذا النوع من تمثيل الأشخاص مقصورا على طبقة الأمراء و النبلاء منذ عهد النهضة الأوربية كما أشرنا فقد ازدهر بصفة عامة في كل الأوساط الشعبية مع اختراع الآلة الفتوغرافية. و للصورة الفتوغرافية في حد ذاتها وقع عميق و تأثير بالغ على النفوس, فهي تلتقط اللحظة وتثبت ملامح الشخص الغائب كأنه أمامنا ننظر إليه, قال بعض الأدباء معبرا عن هذا المعنى عند مشاهدته لصورة شخص مفقود:

أين من كان بيننا ثم أمسى              صورة جمدت على الأوراق
  
      
وإذا أجلنا النظر في التاريخ التونسي، يتراءى لنا أن هذا الصنف من تمثيل الذوات, سواء أكان في شكل رسم أو صورة, قد بدأ رواجه نسبيا مع تواجد الآلة الفتوغرافية و مجيء بعض الفنانين الأوربيون الى تونس في نهاية القرن التاسع عشر, بحيث يمكن أن نكون رصيدا معتبرا من تلك الوثائق العائدة لهذه الفترة في حين أننا لا نجد منها فيما يخص القرون السابقة إلا نزرا يسيرا وقليلا نادرا.

ولو رجعنا أدراج التاريخ، عثرنا على رسم ذاتي للسلطان الحفصي مولاي الحسن، وهي أقدم وثيقة لدينا من مجموعة أمكننا جمعها من نسخ مرسومة تتعلق بالشخصيات التونسية من الذين برزوا في ميادين شتى من الحياة السياسية أو الحربية أو الفكرية، ممن تركوا أثرا محمودا أو ممن ساءت سيرتهم، وقد قيل:

المرء بعد الموت أحدوثة                يفنى وتبقى  منه  آثاره
فأحسن الحالات حال امرئ              تطيب بعد الموت أخباره

والمولى الحسن هو السابع والعشرون في سلسلة سلاطين بني أبي حفص، بويع سنة 1526 بعد وفاة أبيه أبي عبد الله محمد -  وأبو عبد الله هذا هو الذي تنسب إليه المكتبة العبدلَيَة التي كان أسسها بجامع الزيتونة - قال عنه ابن أبي دينار في "المؤنس" أنه "كان فطنا ذكيا فصيحا محبا للخير وأهله معتقدا في الصالحين") 1) إلا أنه تولى و الدولة في وهن,  وعده في ختام بني أبي حفص معتبرا من بعده من الذين أعقبوه "اسما لا رسما".

وقد كانت أيام ابنه الحسن كما نعلم أيام محن واضطرابات، قدم فيها خير الدين بربروس باشا قائد الأساطيل البحرية للخلافة العثمانية إلى تونس واستولى على حصونها، فاستصرخ الحسن الإمبراطور شارل الخامس, )2( فوجد منه أذنا صاغية، إذ كان يحاول صد التوسع العثماني.

وآل الأمر إلى انتصاب الحماية الإسبانية التي عانت منها البلاد أشد البلاء وأفظع الويلات مما ينبو عنه السمع كما حفظته لنا صحائف التاريخ.


                     
              
     "مولاي الحسن, سلطان تونس", محفورة من إنجاز باولس بنتيوس و نيكولاوس فندر هرست


والصورة التي بين أيدينا انتقيناها من كتاب أرتر بلاقران (Arthur Pellegrin) "التاريخ المصور لمدينة تونس", )3) وهي عبارة عن محفورة على خشب يلوح فيها السلطان بارز الوجنتين، آدم اللون، غليظ الشفتين، أخزر، أي به بعض حول في عينيه، ينظر إلينا بمقدم عينه اليمنى ومؤخر عينه اليسرى، ويبدو أشيب اللحية، أسود الشارب والحاجبين، وكانت سنه آنذاك تناهز الخامسة والأربعين، قد اعتم بعمامة ذات لفتين تغطي قلنسوته، مسدلا ذؤابتها ومطوقا بها رقبته، يكسو بدنه معطف فضفاض مشدود بأزرار يحمل تجاعيد وطيات، وقد أرخى على كتفه الأيمن إلى جنبه الأيسر شريطا من حرير ومسك بقائم سيف تدلت منه شراريب. ومما يصف به برنشفيق (Brunschvig) مولاي الحسن، في كتابه "بلاد البربر الشرقية في عهد الحفصيين"، (4) أنه كان يعرف بذؤابة عمامته المغطية لأسفل وجهه، وهي علامة خاصة لسلاطين بني أبي حفص، وكذلك خزرة عينيه كما يؤكد ذلك برنشفيق نفسه نقلا عن المؤرخ باولو جيوفبو (Paolo Giovio) مؤلف كتاب "تواريخ"، الذي قال عن الحسن "هو رجل عمره خمسة وأربعون سنة ذو عينين غريبتين". (5)

والذي قام بإنجاز هذه المحفورة هو بولس بنتيوس ((Paulus Pontius) (6( ، كان من أبرز المختصين في فن الحفر في القرن السابع عشر، وكثيرا ما ألف أعماله الفنية بمراقبة أستاذه الشهير بياترس- بولس روبنس (Pietrus-Paulus Rubens) (1577-1640)، إذ عمل في مرسمه بأنفر (Anvers)  ببلجيكا من سنة 1624 إلى سنة 1631، وقد استنسخ بنتيوس هذه المحفورة عن رسم زيتي يمثل السلطان الحفصي بريشة الفنان فندر هرفت (Vander Harft) ، الذي ينتمي إلى مدرسة البندقية، وأغلب الظن أن تكون لوحة هرفت من ممتلكات متحف الجزائر العاصمة.

             
  (1)

(2)

      محفورة (1) مستنسخة من لوحة زيتية (2) لعلها موجودة في متحف الجزائرالعاصمة ? تمثل السلطان الحسن الحفصي




ولا شك أن هرفت قد كان استوحى هو بدوره رسمه من محفورة من وضع جان كورنلتز فرماين (Van Cornelisz Vermeyen) (1500-1559) مثل فيها السلطان عن مشاهدة ، وهو العمل الأصلي الذي نقل منه هرفت رسمه، ومن المرجح أن فرماين قد التقى في مخيم شارل الخامس قرب قرطاج بالحسن الحفصي وابنه أحمد، فرسم لهما رسمين كما رآهما مدة إقامته الاستطلاعية بتونس التي قضاها ما بين 16 جوان و 17 أوت سنة 1535، و قد كان مع الوفد الذي استصحب شارل الخامس من فنانين وشعراء وكتاب في الغزوة التي شنها هذا الامراطورعلى تونس، فقد كلف فرماين بصفته مصورا رسميا بالبلاط الملكي بتسجيل وقائع الجيش الإسباني، فقام بتخطيط نماذج من الأسلحة والألبسة والمناظر الطبيعية ومشاهد عن الحياة التونسية من ضمنها لوحة رسم فيها مولاي الحسن، مفقودة الآن, توجد نسخة منها محفوظة بفهرس متحف باولو جوفيو(Paulo Jovio) بمكتبة فلورنسا  (Office de Florence) , ومحفورتان أخريان من وضع فرماين, إحداهما للحسن الحفصي على لوحة من خشب, و الثانية لأحمد بن الحسن على ورق النحاس.

                                                                                      
                              
"مولاي الحسن, سلطان تونس", لوحة زيتية من إنجاز فرماين

           

"مولاي الحسن سلطان تونس",  مكتبة فلورنسا


والذي يلفت انتباهنا هو أن محفورة بنتيوس قد أنجزت مائة عام تقريبا بعد محفورة فرماين التي كانت المرجع الأول لطائفة من الفنانين استلهموا منها ذات الحسن ونقلوها في بعض لوحاتهم، منهم هرفت وبنتيوس كما قدمنا، ومنهم بعض رسامين آخرين ينتمون مثل بنتيوس إلى المدرسة الفلمنكية  (Ecole flamande) (وكانت فلندرة وقتئذ مقاطعة تابعة لحكم الامبراطور شارل الخامس)، أرادوا تمجيد شخصية الامبراطور في لوحاتهم فرسموا معه تابعيه من ملوك المستعمرات المنضمة إلى  ممالكه الشاسعة، ومن بين هؤلاء الحسن الحفصي.

وقد اعتنى بيار بول روبنس، أشهر فناني المدرسة الفلمنكية، برسم مولاي الحسن في بعض أعماله التي أنتجها أوائل القرن السابع عشر، منها ثلاث لوحات ورسم أولي، وكذلك لوحة رائعة محفوظة بمتحف الفنون الجميلة ببستون بالولايات المتحدة.



  
                                     
     "مولاي الحسن", لوحة زيتية من عمل بيار بول روبنس, حوالي 1609, متحف الفنون الجميلة, بوستون
 

ومن الغريب أن روبنس قد عمل في استنساخ ذات السلطان بصفة جعلت وجهه يبدو مقلوبا بالنسبة لرسم فرماين، وهي نفس الطريقة التي اتبعها تلميذه بنتيوس في محفورته، حيث نرى فيها وجه السلطان في اتجاه مخالف لما هو عليه في عمل فرماين الأصلي.

وهناك أيضا لوحة ضخمة أخرى نجد في جانب من جوانبها شخص الحسن:  "تنازل شارل الخامس عن الملك", و هي من تأليف فرانس الثاني فرنكن (Frans II Francken) (1642-1581) الذي ينسب إلى عائلة فنية عريقة، إذ كان أبوه فرانس الأول أستاذا له وكان ابنه فرانس الثالث رساما مثل أبيه وجده، ينتمون ثلاثتهم إلى المدرسة الفلامنكية، وكان روبنس نفسه من أصدقاء فرانس الثاني تعرف عليه عند إقامتهما بإيطاليا. واللوحة موجودة الآن بمتحف رجكس (Rijksmuseum)  بأمستردام  بهولندا، يشاهد فيها السلطان الحفصي واقفا في نفس الهيئة التي نجده عليها في رسم فرماين، وقد التفت بصفة واضحة عن يمينه مصوبا نظره نحو الامبراطور كناية عن تبعيته له.

ولفرماين كما أشرنا، زيادة على المحفورتين اللتين تمثلان مولاي الحسن وابنه أحمد، جملة من الرسوم خطها على عين المكان عند مجيئه لتونس، كانت المنطلق في إعداده عند رجوعه لإسبانيا لسلسلة من الأعمال التمهيدية التي تمجد وقائع الحملة الإسبانية، وقد نقلها قيوم بنماكر (Guillaume Pannemaker) فيما بعد في اثني عشر من الحائطيات المطرزة قام بإنجازها في ورشته ببروكسال بين سنة 1548 و1554، وهي الآن بمتحف فيانا الفني-التاريخي (Kunsthistorisches Museum) ، وقد نجح  بنماكر في عمله هذا نجاحا كبيرا أدى إلى إعادة صنعه، إذ توجد منه مجموعة ثانية نسجت في القرن الثامن عشر، محفوظة في القصر الملكي بمدريد، وهناك مجموعة ثالثة نسجت في نفس القرن بإسبانيا، نجدها اليوم بقصر إشبيلية.

ومن المؤكد أن الأعمال التونسية التي تركها  فرماين  تحظى اليوم  بقيمة توثيقية, فقد ورد ذكرها في بعض الدراسات المتناولة لحياة هذا الفنان ونتاجه الفني،  نص عليها جان- بيار فتو (Jean Pierre Vittu) في مقالة جد هامة تحت عنوان "جان كرنلتز فرماين مصور تونس"، (7) فهي تطلعنا بصفة بينة على مناظر الطبيعة التونسية وتخطيط بعض الأماكن والأحياء وأشكال الأسلحة والألبسة العتيقة وبعض جزئيات دقيقة أخرى كما كانت عليه في نهاية العهد الحفصي والتي لا نجد أي أثر لها في المتاحف و أي معلومات عنها ولو قلت في كتب التاريخ.


                      
  
             
                   فرماين, مشهد من"حملة شارل الخامس على تونس", رسم على ورق مقوى


وأما بالنسبة للمحفورة الأخرى التي سجل فيها فرماين ذات أحمد بن الحسن، فيظهر فيها أحمد في مظهر نصفي أمام أقواس الحنايا قرب قرطاج، وكان ذلك قبل توليته سلطانا على تونس في أيام أبيه مولاي الحسن قبل خلعه سنة 1543، وقد حكى صاحب المؤنس أن أحمد لما قعد للملك ظفر بأبيه فوبخه على أفعاله الشنيعة وما كان منه في إباحته للنصارى اغتيال الأنفس ونهب الأموال وتخريب البلاد، حتى قال له في ما قال: "خالفت مسماك الحسن "! وحبسه وسمل عينيه، وما فتئ أن اضطر أحمد بدوره للاحتماء بالإسبان عند حلول صاحب الجزائر علي باشا التركي بتونس، لكنه سرعان ما تخلى عن الملك لأنه أنف من مقاسمة الحكم بينه وبين الإسبان، فخلفه أخوه محمد بن الحسن وقبل مشاطرة القائد الإسباني في الحكم، إلى أن قدم أسطول الوزير سنان باشا، وذلك سنة 1573، فاحتمى الإسبان في حصن حلق الوادي ("الباستيون") و معهم محمد بن الحسن ثم لجئوا الى صقلية، وأخذ محمد بن الحسن وحمل إلى السلطان العثماني سليم الثاني فاعتقله وزالت بزواله الدولة الحفصية التي دامت مدة ثلاثة قرون وستة وستين عاما.
                                         
                   
    

             فرماين, "أحمد بن مولاي الحسن", محفورة على ورق النحاس, متحف بواجمنس فان باننجن


                              

"مولاي أحمد بن الحسن", متحف فيانا


ومما أفاد به أرتور بلاقرن عن نهاية الحسن في كتابه "تاريخ تونس من البداية إلى اليوم", (8) أنه بعد أن وقع في قبضة ابنه أحمد، التجأ إلى برج حلق الوادي، ولما يئس من نجدة الإسبان، ركب البحر وقطع البلاد الإيطالية، وهو مكفوف البصر، والتقى في شهر ماي 1548 بشارل الخامس بأوقسبورق (Augusbourg) الواقعة قرب مونيخ بألمانيا، فأرسل الإمبراطور معه طائفة من السفن الحربية بإمارة القائد الجنوي أندريا دريا (Andria Doria) الذي استولى على مدينة المنستير، وما لبث الحسن أن لقي حتفه في المخيم الإسباني عند حصار المهدية، إذ أصيب بالحمى الخبيثة (fièvre maligne)، ويقال أيضا إنه مات مسموما، وذلك في شهر يوليو 1550.

والذي ذهب إليه صاحب المؤنس أن الحسن "مات بالقيروان لأنه مقبور هناك", يقول ابن أبي دينار: "وقفت على ورقة بخط الشيخ بركات الشريف يذكر فيها أن السلطان الحسن هرب إلى بلاد النصارى وهو أعمى وأتى بعمارة لأخذ المهدية فمات في البحر فأنزل إلى البر ورفعوه إلى القيروان فدفن بها والله أعلم بحقائق الأمور، ويمكن أن يكون فر من القيروان بعدما أقام بها وهذا هو الأصح لأن إقامته بالقيروان معروفة بين الناس". (9).

ومما حكاه ابن أبي دينار قصة مؤثرة عن هذا السلطان المخلوع ومآله الوخيم، قال: "دخل عليه أولاد الشيخ عرفة صاحب القيروان في بعض الأيام وأتوه ببربط وهو عود الملهاة وقالوا له – نريد أن تسمعنا من غنائك بالعود – وألزموه ذلك استخفافا به فأخذه وجسه بيده وقد كبر عليه إقدامهم بما لا يليق بمثله فأنشدهم البيت الشهير بين الناس:

        وكنا  أسودا  والرجال  تهابنا               أتانا زمان فيه نخشى الأرانبا

و ألقى العود من يده وأجهش بالبكاء في وجوههم فخرجوا من بين يديه لا يدري أحد أين يضع قدمه فسبحان المعز وسبحان المذل." (10)

                                      
                                                                                            

فرماين, "مولاي الحسن في وليمة عشاء", 1535




1 (محمد الرعيني بن أبي دينار، المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، المكتبة العتيقة، تونس، 1967، ص 161.
2) شارل الخامس (شارلكان) (1500-1558) امبراطور ألمانيا وملك اسبانيا بسط سيادته على اسبانيا وبلاد فلاندرة والنمسا وألمانيا، حارب الأتراك ثم زهد في العالم ودخل الديرومات متنسكا.
3( ( أنظر: Arthur Pellegrin,Histoire illustrée de Tunis, Tunis, 1955 (p 1.XII)
4( أنظر : Robert Brunchvig, La Berbérie orientale sous les hafsides, des origines à la fin du XVe siècle, Paris, 1947
5( أنظر: Paolo Giovio (Paul Jove), Histoires (1550-1552), histoire de l’Italie de 1495 à 1547 ; Robert brunschvig, op-cit,II.
6( بولس بنتيس (Paulus Pontinus) أو (Paul Ponce)، ولد بأنفر ومات بها  (1603-1658)، كان تلميذا لأسيس برت (Osias Bert سنة 1616 ولوقس فرستر من (Lucas Varsterman) ، وقد حقق عدة محفورات نسخ فيها أعمالا فنية لأستاذه روبنس.
7) أنظر : Jean-Pierre, Vittu Jan Cornelisz Vermeyen, peintre de Tunis en 1535,, in « IBLA », 1977/2, pp.243-267، 
8 ( انظر: Arthur Pellegrin, Histoire de la Tunisie depuis les origines jusqu’à nos jours, librairie Namura, Tunis, 1948, pp.140-141.
9 ( ابن أبي دينار، ذكر آنفا، ص 168.

10( نفس المرجع، ص 167-168.