dimanche 30 septembre 2018

اربعينية الفقيد أحمد الحبيب الجلولي


                                       

                                                         أربعينية الفقيد أحمد الحبيب الجلولي 

                         تخليدا لذكرى أحد رجالات تونس و أعيانها                                                               
                                                "الصباح", الجمعة 13 ماي 2011, ص 8
   

    
                         

طلعة بهية و حسن السمت و رقة في الذوق و أناقة في الملبس, كان يرتدي الزي التقليدي من البرنس و الجبة الموشحة بخيوط الحرير كأحسن ما ترى و يتوج رأسه بشاشية قرمزية عالية القامة تضفي عليه حسنا و بهاء, تلك صفات حبا الله بها فقيدنا الراحل, و ذلك مظهره الرائع الذي كان يظهر به بين الناس. أما من خالطه عن قرب فسيستشف فيه سلامة في الطوية و سماحة في الأخلاق و رجاحة في العقل و علوا في الهمة, مما جعل الناس, خاصتهم و عامتهم, يضمرون له الود و يأثرونه بالمنزلة العالية و الحظوة السامية, كذلك كان في ذاته و نعوته و كذلك كانت مكانته عند كل من عرفه من قريب أو بعيد.

لقد فارقنا سيدي أحمد الجلولي منذ بضعة أسابيع ملبيا داعي ربه, و لقد كان حقا طوال حياته, لا سيما في الظرف الذي كادت فيه القيم أن تتداعى و عرى الثوابت أن تنحل, بمثابة القدوة لكل من تاقت نفسه إلى تهذيب في السلوك و اتباع لما تمليه قواعد العرف المقرر المرضي, لقد ساهم في إعطاء صورة مشرقة عن الشخصية التونسية المتكاملة, فكان رمزا للأصالة و للتربية العالية بأتم معناها, يتحلى بجمال الشكل و حسن المظهر و تصرف لائق مع الناس و ملازمة لقواعد السلوك المهذب و آداب الكلام, كل ذلك كان فيه سجية لا استعمال فيه و لا تصنع, بل كان متلائما مع طبيعته ممتزجا مع سمو ذوقه و رفاهة حسه, متناسقا مع حياته و بيئته. فكل من شاهده على تلك الصافات لا يلبث أن يغمره شعور قوي بالاعتزاز بهذا الوطن الذي أنجب هذا المثل العالي من الرجال و بشرف الانتماء إلى هذه الحضارة التي شعت بأبهى معاني العبقرية بما أرست من عادات أثيلة و قيم نبيلة.

أجل, لقد كانت شخصيته الفذة نابعة من جذور الماضي متمسكة بعراقتها متغذية بثقافتها, فكان لديه من الحيوية و الاعتناء بالموروث الحضاري و شديد الحرص على صيانة و إنقاذ ما يوشك أن ينجرف منه مع تيار التطور الساحق, كان يعتبر و أن آفة المستقبل الانصهار في بوتقة العولمة و ذوبان الذات, و أن ما يضمن تدعيم الهوية و تأصيل المكاسب الثقافية هو الحفاظ على التراث القيم و محاولة إبقائه على خصوصياته و ما يتمتع به من مميزات و تفرد, و بذلك يكون مظهرا صادقا للشعور القومي و تمكينا للوحدة القومية في الأجيال المتعاقبة.

بيد أن شخصه المتميز الذي كان ينفرد بطابع عربي أصيل قد تشبع في الوقت نفسه بالعلوم و المعارف الغربية و استقى من فنونها و آدابها, و لا ننسى أنه قد زاول تعليمه الابتدائي بمدرسة قرطاج و الثانوي بمعهد كارنو فكان يجيد اللغة الفرنسية إجادة كاملة, مما جعله متزامنا مع العصر بما يفرضه من حداثة و انفتاح.

 لقد أسعدني الحظ أن عرفته مليا, لما كانت تربطني به من أواصر المصاهرة و الصداقة, لا سيما و أني غالبا ما كنت ألتقي به عند زياراتي المتكررة إلى دار ابن عاشور, فكنت أشاطره الود و أقاسمه المحبة الخالصة لهذه العائلة الكريمة التي ما فتئت تجمعنا برواقها العلوي و ببستانها الزاهر بضاحية المرسى فتغمرنا بفيض رعايتها و سعة كرمها. كنت من بين الملتفين حوله بآذان مصغية إلى عذب كلامه, و كان خفيف النفس ذا دعابة و طرافة, و لا يسعني المجال في هذه العجالة أن أتحف القارئ بنبذ من الملح و النوادر التي حكاها و التي بقيت عالقة في ذهني.  
   

                                        


آخر صورة للسيد أحمد الجلولي وهو جالس بالمكتبة العتيقة الكائنة بنهج جامع الزيتونة و التي كانت منتدى العلماء و الأدباء, التقطها زميلنا صلاح الدين ابن عبيد قبل وفاة السيد أحمد الجلولي ببضعة أسابيع.


 لقد أضحى زينة المجالس و بهجة المحافل يلقى من قبل مضيفيه غاية الرعاية و التبجيل, كان لا يتخلف عن المنتديات و المحاضرات, و يتردد صبيحة أيام الخميس بصفة منتظمة إلى "المكتبة العتيقة" لصاحبها الشيخ علي العسلي أمين سوق الكتبية حيث يتلاقى مع نخبة من أهل الفكر يستأنسون بحديثه, و كان إذا اجتمع مع الملإ من الناس سرعان ما يأخذ بألبابهم و يشنف آذانهم فيسوق لهم ببالغ الدقة و منتهى التفصيل الأحداث و الوقائع لا يخطئ في ضبط تاريخها و لا يتلعثم في ذكر أسماء الأفراد أو الأمكنة الواردة في كلامه, و كان يستحضر فقرات برمتها من محض ذاكرته مما يدل على سعة اطلاعه على الكتب و المجلات العربية منها و الفرنسية التي كان حريصا على جمعها و المتعلقة بالتاريخ التونسي عامة و بالدولة الحسينية خاصة, ناهيك أنه كان يحفظ عن ظهر قلب جانبا من كتاب "الاتحاف" لابن أبي الضياف, و هذه المعرفة الجيدة بالأخبار السالفة و الأيام الماضية نجده قد تلقاها منذ نعومة أضفاره عن الوسط الذي تكون فيه و تطبع بآدابه, قال ابن أبي الضياف عن جده الأعلى محمود بن بكار الجلولي (المتوفى سنة 1893) : "و له معرفة تامة بالتاريخ", فكان حفيده كذلك كان المؤرخ اللبق, حديثه كما أشرنا متعة للسامع, بعيد عن العرض الجاف, تتخلله النكت الرقيقة و تنعشه الذكريات التي عاشها بنفسه أو حضرها مع مشاهير معاصريه, فينقل محاوراتهم و يبين مواقفهم و يرسم عنهم صورا حية ناطقة يصفهم كأنك تراهم رؤية العين.

لقد كانت له على الخصوص خبرة و دراية بالتقاليد ومواسم الأعياد و المناسبات عند أهل الحاضرة, فكان مرجعا لا غنى عنه يأوي إليه كل من أراد البحث في ما يتعلق بالمدينة العتيقة من دقائق العادات و التراتيب الجارية في الأفراح و الأتراح  و نسق العيش و حذق المهن و الصنائع و فن العمران و إشادة المعالم... و بالمناسبة فقد حثني على الاطلاع على كتاب حين صدوره سنة 1994 عن دار النشر ساراس, للأديب و الرحالة محمد بن عثمان الحشائشي (مؤلف "تاريخ جامع الزيتونة"), و عنوان الكتاب "الهداية أو الفوائد العلمية في العادات التونسية", قال لي ستجد فيه من المعلومات الوافية عن حياة المجتمع وعوائده, و من التفاصيل التي أهملها المؤرخون ولم يعنوا بها و اكتفوا بذكر أحوال الملوك و الدول, في حين أنها في حد ذاتها, رغم ما يبدو من تفاهتها, يمكن أحيانا أن تسعف المؤرخ و أن تكون له مستندا لإجلاء الالتباس عن بعض الجوانب لأحداث تاريخية هامة.

كانت لا تفوته أية شاردة و لا واردة فيما يتعلق بالكتب و المخطوطات المتفرقة في شتى المكتبات العامة أو الخاصة. و قد حدثني عن بعض المؤلفات التي استأثرت بها مكتبتنا العائلية, و ذكر لي على الخصوص مخطوطة قديمة تشتمل على كتابين اثنين, عنوان الأول "جر الذيل في علم الخيل" و عنوان الثاني "كتاب الخيل و السراج و اللجام" لمؤلفهما أبي عبيدة النحوي معمر بن المثنى التيمي بالولاء (المتوفى سنة 209 \824), و أكد لي أن هذه النسخة فريدة من نوعها و لعلها لا يوجد لها نظير, و لما أعلمت بذلك والدي طيب الله ثراه أخرج لي هذه المخطوطة العجيبة من ناحية التزويق و رونق الخط و ما تحويه من رسوم تخطيطية لأنواع السرج و الرّحالة و العذار و اللجام ولوازم ركوب الخيل, و أعلمني أن هناك نسخة خطية أخرى موجودة بالهند, وأن الباحث و المحقق المرحوم محمد التركي (مدير التشريفات بالقصر الملكي سابقا) و الذي كان صديقا للعائلة, قد استعار المخطوطة وأتاح للمكتبة الوطنية بباريس استنساخها فتوغرافيا, و تبين بعد ذلك أن المخطوطة الهندية قد تم طبعها لأول مرة سنة 1358\1932. و لا شك في أن اهتمام السيد أحمد الجلولي بهذه النسخة بالذات ناتج بصفة خاصة عن الهواية التي اشتهر بها, على غرار ما كان عليه والده من حب الفروسية و ركوب الخيل العتاق, و هي هواية قد تعاطاها و برع فيها منذ شبابه, فكان ديدنه أن يجمع بين الاقبال على مطالعة الكتب و رياضة الفروسية و هما خير ما يشغل به الوقت كما عنى به المتنبي في قوله :

               أعز مكان في الدنا سرج سابح    و خبر جليس في الأنام كتاب  

و في محبة الخيل العتاق و التعلق بها يقول ابن عباس رضي الله عنه :

               أحبوا الخيل و اصبروا عليها       فإن  العز  فيها  و الجمالا
               إذا  ما  الخيل  ضيعها  أناس       ربطناها  فشاركت  العيالا
               نقاسمها  المعيشة   كل  يوم         و نكسوها البراقع والجلالا   

كان معروفا بكرم الوفادة و أدب الضيافة, يرحب بمن يزوره في قصره الفسيح الكائن بنهج الغني بحي باب المنارة بالعاصمة, و الذي ظل منذ عهد قديم مقر آبائه و أجداده, قال عنهم صاحب الاتحاف : "من البيوت المشهورة و آثارهم مأثورة و رسوخ قدمهم في الخدمة من لدن بني حفص", و قال عنهم العلامة الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور في "تراجم الأعلام" (وهو ابن خال مترجمنا) : "بيت من أعرق البيوت التونسية في المجد المخزني و أرسخها قدما في الرئاسة (...) تسلسلت فيه الولايات الكبيرة و المناصب الخطيرة من عهد الدولة الحفصية". و قد نشأ صاحب الترجمة بين يدي والده السيد الحبيب بن علي بن فرحات  الجلولي الذي أولاه الرعاية و العناية و التربية الصالحة, فكان له في والده صبابة و اعتزاز, و قد تولى هذا الأخير منصب وزير قلم ثم وزير عدل في مدة محمد الأمين باي, و أم مترجمنا هي سارة شقيقة الامام المنعم الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور صاحب "التحرير و التنوير".

و من عادته أنه كان يمد كل من يتوجه إليه من الدارسين و المؤلفين بما يهمهم من الوثائق الفريدة و الكتب النادرة التي احتوت عليها مكتبته الغنية بالنفائس. و قد جمع من الوثائق و الأرشيف كما هائلا و جعله على ذمة الباحثين فيستنسخ لهم الوثيقة التي يحتاجونها و لا يتقاضى على ذلك أي مقابل, و قد سبق أن  كنت توسلت لديه لبعض الطلبة النابهين ممن أشرفت على أطروحاتهم الجامعية في اختصاص الفنون و الحرف, و التمست منه مساعدتهم فلبى الطلب و أمدهم بما لا يستغنون عنه من المراجع, هكذا كان دأبه يكرم طلاب العلم غاية الاكرام, حتى أنه لا يكاد يصدر كتاب أو تأليف يكون له مساس بتونس و بتراثها العلمي أو المعماري أو الفني بصفة عامة إلا و يدبج اسم أحمد الجلولي في قائمة الاهداء أو الشكر و الثناء, و إكرامه لأهل العلم كما قلنا كان تأسيا بآبائه فهي عادة عندهم مألوفة, قال ابن أبي الضياف عن جده محمود الذي ذكرناه آنفا : "و له كتب بداره في الحاضرة لا يمنع من يريد الانتفاع بها" و يضيف المؤرخ قائلا : "و هي التي انتفعت بها في قراءتي أجزل الله ثوابه".




              مناسبة افتتاح مشربة الحديقة 2 : السيد أحمد الجلولي و بجانبه السيد عبد العزيز الاصرم رئيس النادي الافريقي 


لقد أمست دار الجلولي في حياة سيدي أحمد في أبهى حلة, كانت مقصد الزائرين من أهل الفكر و السياسة و السفراء و الدبلوماسيين, و كان يطلع زواره على ما لديه من التراث العائلي القيم, و جعل من قصره متحفا مزدانا بالأثاث العتيق , غنيا بالطرف الثمينة و القطع الأثرية و المخطوطات المعتبرة, مما يقدم مشهدا حيا عما كان عليه منذ زمان نمط العيش في قصور المدينة, و من المأمول أن يبقى هذا القصر البهيج على حالته تلك و أن يحافظ على كل ما يحتويه من الأمتعة و التحف و أن لا تحول من أمكنتها حتى تبقى على الدوام أثرا ملموسا  و شاهدا على صاحبها, و لقد أحسن القائل :

                      آثاره تنبيك  عن   أخباره    حتى  كأنك   بالعيان  تراه.

       





                                                                       بقلم خالد الأصرم, سكرة, الخميس 14 أبريل 2011