إجازة في قراءة الورد القادري من شيخ الطريقة القادرية بدمشق إلى ولي العهد محمد الهادي باي, "مجلة معهد الآدب العربية ", عدد 194، السنة 76، 2-2004، ص. 77-92
هذه إجازة أجازها شيخ الطريقة القادرية بدمشق سلالة الأشراف أبو بكر
الكيلاني إلى ولي العهد محمد الهادي باي في قراءة الأوراد القادرية، أطلعتني عليها
الأميرة زينب ابنة المرحوم عبد العزيز البكوش (رئيس قسم الترجمة بالوزارة الكبرى
سابقا)، وقد نشأت هذه السيدة الكريمة في كنف أختها الكبرى قمر وزوج أختها محمد
الطاهر باي الذين تبنياها منذ الصغر وتوليا العناية بتربيتها فدرجت على الأخلاق
الفاضلة وسلامة الذوق.
ومحمد الطاهر هو الابن الأكبر لمحمد الهادي باي الموجهة له هذه الإجازة،
وكان محمد الهادي باي آنذاك باي المحال أي ولي العهد قبل ارتقائه لكرسي الإمارة
عند وفاة أبيه علي باي الثالث سنة 1320/1902، وكان متصفا بالجود
وعلو النفس، وكان فيه بعض انقباض عن فرنسا مما أدى إلى نفور بينه وبين بعض رجال
دولته. وقد أظهر العناية بالعلوم الإسلامية فكان يحضر أختام الحديث، وقام بطبع كتب
من تلك الأختام[1]،
2 محمد الطاهر باي، ولي باي المحال من سنة 1939
إلى سنة 1941 مدة عمه أحمد باي الثاني 1929-1942. انظر محمد صالح مزالي، الوارثة
على العرش الحسيني ومدى احترام نظامها، الدار التونسية للنشر 1969، ص 47.
إلا أن مدته لم تطل إذ أقعده المرض وعوضه في إجراء شؤون القصر ابنه محمد الطاهر
إلى وفاته سنة 1324/1906، وكان محمد الطاهر باي يتميز من بين الأمراء بالحنكة
والرأي السديد وصموده في مواقف الحق، وكانت له مشاركة طيبة في علوم العربية
والفرنسية (2(.
________________________________________________
[1] انظر : محمد السنوسي، مسامرات الظريف بحسن التعريف، دار المغرب الإسلامي، بيروت، 1994، تحقيق الشيخ محمد الشاذلي النيفر، ج 1 الملاحق ص 457.
2 محمد الطاهر باي، ولي باي المحال من سنة 1939
إلى سنة 1941 مدة عمه أحمد باي الثاني 1929-1942. انظر محمد صالح مزالي، الوارثة
على العرش الحسيني ومدى احترام نظامها، الدار التونسية للنشر 1969، ص 47.
وهذه الوثيقة تعتبر في حد ذاتها مثالا بديعا يدلنا على ما كانت عليه صناعة
الوثائق والمخطوطات التي لم تزل إلى عهد غير بعيد مزدهرة في العالم العربي عامة،
وبدأت في الانقراض بظهور الطباعة ورواج الكتب والرسومات المطبوعة. وهي تعكس لنا من
حيث مضمونها ظرفا تاريخيا معينا وحقبة من الزمن كان للطرق الصوفية فيها سلطان على
الحكام والأمراء ذاتهم فضلا عما كان عليه عامة الناس من الإقبال على الأوراد
والأذكار والحرص في الحصول على الإجازات في قراءة تلك الأوراد المأثورة على أقطاب
الصوفية وشيوخها.
وهي نسخة نادرة من نوعها على ورق من الكاغد طوله 150 صم وعرضه 28 صم مذيل
في أعلاه بقماش من الحرير الأخضر محفوظ في علبة أسطوانية من القصدير المطلي ببرنيق
أرجواني مزخرفة بعناصر بارزة من النبات المورق والأزهار.
ونص الوثيقة بخط مستوحى من أسلوب الخط الديواني بحروف كبيرة الحجم حسنة
واضحة. ويحتوي على ثمانية وثلاثين سطرا يفصل بينها خطوط بالمداد الأحمر لأجل
استقامة الكتابة (أنظر الصورة: أ)، وقد طوق النص على حافتيه اليمنى واليسرى ومن
أعلاه بإطار مكتوب عليه أسماء الله الحسنى تارة بالأسود وتارة بالرمادي. ونجد في
الطرف الأعلى رسم هلال بالأحمر يحيط بطابع مستدير منقوش في وسطه بخط التعليق الجلي
جزء من الآية الكريمة "نصر من الله وفتح قريب" (الآية 13 من سورة الصف).
وحول طوقه الخارجي هذه العبارة "ولد الشيخ محيي الدين عبد القادر الكيلاني
سنة 471 وتوفي رضي الله عنه سنة 571" (انظر الصورة ب)، وعلى جانبي الهلال في
إطارين مثلثين كلمتي "الله جلّ جلاله" و"محمد صلى الله عليه
وسلم".
وتحت آخر سطر من النص طابع أقل حجما من الأول موقع مرتين يحمل بخط التعليق
في تكوين لولبي متقن اسم الموقع عليه وهو قوله "المفتقر إلى الله الراجي رحمة
مولاه الحاج السيد أبو بكر بن الحاج السيد مصطفى، 1297" (1872), وفي النهاية من الأسفل في شكل مربع قوله
"وحرره في يوم الجمعة في عشرين من شوال المبارك سنة 1316، سنة ستة عشر
وثلاثمائة وألف من هجرة من له العز والشرف" (1897).
و الإجازة نثبتها فيما يلي بنصها:
بسم الله الرحمان الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،
الحمد لله الذي أطلع أنوار السادة القادرية في سماء العهود، وجل جماله في مرآة
الشهود، واختار منهم أولياء فجعلهم أحبابه فنالوا بفضله السعادة والسعود، وأورثهم
أرضه وأسكنهم جنات الخلود، فقاموا بواجب طاعته ورغبوا فيما عنده فاستبشروا بعطائه
المورود، أحمده سبحانه وتعالى على ما أعطى من غاية البغية والمقصود، وأشكره وأتوب
اليه وأستغفره من كل زيغ وجحود، وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له شهادة
عبد صدق بكرامات الأولياء وتعاطى التقاط فوائد الأصفياء بكل المجهود، وأشهد أن سيدنا
محمدا عبده ورسوله الأول في ايجاد الوجود، الذي أوصى بحفظ المواثق والعهود.
أما بعد فاني قد أردت لحضرة مولانا رفيع الشأن صاحب القدر والإحسان ولي
العهد بالديار التونسية، مولانا محمد باي ابن حضرة مولانا أمير المؤمنين وواسطة
عقد السلالة الحسينية، وإنسان عين أعيان الأمراء في الإمارة التونسية، مولانا علي
باشا باي تونس المحمية، أطال الله عمره، وأدام في المعالي بدره، وأعانه على نجاة
بلاده من أعاديه وحساده، وأرغم بنصره أنوف أضداده، ولا زال التوفيق حاملا راية
الفتح لأجناده، وخادما لسدته في اتهامه وانجاده، وجمع كلمة أهل مملكته على طاعته و وداده، وأقر عينه بنجابة أنجاله وأحفاده،
آمين، الدخول في الطريقة القادرية أعني طريقة جدنا السيد الكامل العالم الفاضل قطب
الأقطاب سيد الأنجاب الغوث محي الدين عبد القادر الجيلاني ابن موسى جنقروش ابن
الإمام يحي الزاهد ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام جعفر الصادق قدس الله
أرواحهم، وأذنته وأجزته فيها.
ومثله على علم من أن الطريقة المشار إليها توصي بالمواظبة عقب كل صلاة من
الصلواة (كذا) الخمس بقراءة الورد القادري، وحيث أن مثله على علم، وعارف لا يوصى
بما يتعلق بهذه الطريقة المشرفة، أعطيته هذه الإجازة تبركا بآل بيت سيد الأنام،
ومصباح الظلام، من شرفه الله على جميع الأنام، وجعله ملجأ للخاص والعام، سيدنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأحفاده الشيخ عبد القادر نفع الله الجميع بصالح
دعواته، وأفاض على الجميع من كامل بركاته.
قاله بفمه وسوده بقلمه، خادم السادة الكرام، و المشايخ العظام، العبد الفاني، الحاج أبو بكر
الكيلاني شيخ الطريقة القادرية بدمشق الشام المحمية، لطف الله بحاله.
وحرره في يوم الجمعة في عشرين من شوال المبارك سنة 1316 (1897)، سنة ستة عشر
وثلاثمائة وألف من هجرة من له العز والشرف.
ختام
الصورة أ
الصورة ب
هذه الإجازة التي استعرضناها هي من الإجازات التي كان أشياخ الصوفية يجيزون
بها المريدين الراغبين في الدخول في طريقتهم. ومن قواعدهم أن التأثر الروحي لا
يتأتى إلا بواسطة شيخ يرشد ويعطي العهد بالطريقة ويجيز فيها.
وكان شيوخ الطرق لا يسلمون الإجازات إلا لمن حسنت منه السريرة، وعقدوا فيه
الثقة، ورأوا فيه استعدادا لملازمة ما يقتضي الدخول في الطريقة من شروط المداومة
على الرياضة الروحية، والتطوع لقراءة الأوراد والأدعية، والعمل بأحكامها وآدابها،
وينتهي نص الإجازات عادة بنصح الإتباع بالتقوى.
والإجازة لغة من جوز له وأجاز ما صنعه أي سوغ له ذلك. وفي المعجم الوسيط
"أجاز العالم تلميذه أذن له في الرواية عنه، واستجاز فلانا طلب منه الإذن في
الرواية عنه".
وأصل الإجازات أن تكون في شتى العلوم والفنون سواء في ذلك الفقه والحديث
والتاريخ والتراجم والأدب. وقياسا على ذلك كانت الإجازات في الأحزاب والأوراد عند
أهل الصوفية. وكان مشايخ العلم يكتبون الإجازات بما اجتمع عندهم من رواية شيوخهم
بعد قراءتهم عليهم أمهات الكتب. فالإجازات تسجل ما سمعه كل طالب عن أشياخه من
الكتب والسماعات والترخيص له في روايتها وإقراءها عنهم. ولا يعد منهم عالم بكتاب
ما لم يكن قد رواه عن أستاذه الذي أجازه، حتى يبلغ بسنده إلى مؤلفه. وكثيرا ما
نصادف في صدور المخطوطات القديمة أو ذيولها إجازات تنص على أن الكتاب قد سمعه من
مصنفه أو من عالم ثقة واحد أو كثير من الناس، وتسمى هذه الإجازات "إجازات
السماع" أو "السماعات".
ففي القرون الأولى من الهجرة كانت العلوم تقوم على الرواية الشفهية، فكانوا
ينصون أن فلانا روى عن فلان أو أخذ عنه أو قرأ عليه أو تفقه به، ويثبتون ذلك
بإجازة يكتبها الشيخ أو يحررها الطالب ويقرها الشيخ. ثم صار إثبات السماعات نهجا
تقليديا يحتذى لدى قراءة الكتب في المدارس والمساجد. وكثرت هذه السماعات في القرن
السادس والسابع (13-14م) كثرة وافرة.
وأكثر الإجازات ترد خاصة في الحديث الشريف، يكون فيه تسلسل بين الرجال
الراوين له الذين يتناقلونه حفظا وسماعا، فتستند له أسماؤهم أي ترفع له. والمستند
من الحديث ما اتصل اسناده عن طريق الرواة بلا انقطاع إلى النبي صلى الله عليه
وسلم. وتكون درجة الحديث من الصحة والوثوق في ثبوت تلك الأسانيد ومعرفة الرواة
والحفاظ. ففي مقدمة صحيح مسلم عن عبد الله بن المبارك "الإسناد من الدين
ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". وقد وضع القاضي عياض كتابا في آداب سماع
الحديث وإتقانه وضبطه وحفظه وأصول الرواية فيه، سماه "الإلماع إلى معرفة أصول
الرواية وتقييد السماع" وتحدث فيه عن الإجازة في الحديث ووجوهها ونقل في
شأنها نصوصا قيمة من مصادر عدة.
وقد جرت العادة بأن كان الأقدمون من مشايخ الزيتونة يمنحون تلاميذهم
الإجازات التي تؤهلهم للتصدر للتدريس، وغالبا ما كانت الإجازات تكتب وتمضى ويستظهر
بها كعنوان لصاحبها على أهليته لعقد مجالس العلم، فهي تقوم مقام الشهادات العلمية
التي تمنح اليوم.
لما زار الفقيه المحدث الشيخ محمد المرتضى الزبيدي تونس, وهو من أشهر علماء الأزهر في عصره, اتصل بمشائخ الزيتونة و تزاحم التلاميذ للأخذ عنه, و كتب لهم الشهادة بالسماع و الإجازة, و بذلك شاعت الرواية عنه و انتشر خطه في الإجازات و الإثبات, و كتب السنة المقروءة عنه, وقد كتب إجازة لأبناء الشيخ محمد بن عبيد الغرياني القيرواني (ت 1216\1801) نصها "كذا أجزت لطلبة العلم اللازمين في حلقة دروس والدهم و لسائرأحبابهم و أصحابهم ممن فيه أهلية الحمل لهذا العلم .
هذه الإجازة توجد في مكتبة آل ابن عاشور, أنظرمحمد الفاضل ابن عاشور "ومضات فكر", الدار العربية للكتاب, توبس 1982 (امتزاج الأزهر بالزيتونة), ص 423.
ومما أجاز به شيخ الإسلام الحنفي العلامة محمد ابن الخوجة ابنه
أحمد (الذي تولى في ما بعد خطة مشيخة الإسلام) وكان أكثر تتلمذه على والده2. إجازة مؤرخة بسنة 1271 /1875، أوردها الشيخ محمد الشاذلي النيفر في
مقدمته لكتاب المسامرات جاء فيها: "فإن ولدي الفاضل الذكي الزكي الأريب،
الحائز من العلوم أوفر نصيب، الأمجد الأنجد أبي العباس أحمد، فها أنا قد أجزت له
إجازة في ذلك، أي الثبت وغيره، علما مني بأنها من وضع الشيء في محله ...."
وأجازه كذلك الشيخ محمد بيرم الرابع اجازة نظما يقول في مطلعها:
________________________________________________
2 أحمد ابن الخوجة: ولد سنة 1245/1803، درس بجامع
الزيتونة ثم تولى القضاء الحنفي (1277-1860-61) ثم الإفتاء، سمي شيخ الإسلام
للمذهب الحنفي سنة 1294-1877 توفي عام 1313/1896.
3 محمد السنوسي، مسامرات الظريف، ذكر آنفا، ص 22.
وكانت خطة التدريس قديما تمنح للطالب باجتهاد الشيوخ والاختيار، لا عن طريق
المناظرة والاختبار، اعترافا لهم بالتفوق والامتياز على أقرانهم. يقول المؤرخ محمد
ابن الخوجة في كتابه معالم التوحيد: "واستمر الحال جاريا على قاعدة ولاية
التدريس من رتبته الأولى والثانية اختيارا باجتهاد المشايخ النظار إلى زمن المولى
علي باي الثالث، ففي سنة 1309/1891 صدر أمر كريم بجعل المناظرة على التدريس هو
الأصل المعمول عليه في الولاية و بذلك
بطل ما كان للشيوخ من حق الاختيار" (4( .
وكان المشايخ يتحرون ولا يمنحون الإجازات إلا لمن أنسوا منه الكفاءة
العلمية، لأن العلم أمانة، حتى أنهم كثيرا ما كانوا يلزمون تلاميذهم، وإن تقدم بهم
السن، الاستزادة من طلب العلم ليكتمل زادهم وتكون لهم القابلية التامة والمقدرة
الكافية التي تسمح لهم بالارتقاء إلى خطة التدريس.
وأخذ الإجازات كان شائعا لا سيما عند أصحاب الرحلات ممن صرفوا العناية
بأخبار مشاهير العلماء والمحدثين والزهاد والمتصوفين الذين قصدوهم في ترحالهم
واجتهدوا في جمع أكثر عدد من الإجازات عنهم لإثراء أسانيدهم. وأشهر من كتب في أدب
الرحلات الأندلسيون والمغاربة، مثل أبي بكر بن العربي الأشبيلي، حافظ الأندلس (ت
543/1147) والوزير محمد بن أحمد ابن جبير، مؤلف "تذكرة بالأخبار عن اتفاقات
الأسفار" (ت 614/1217) ومحمد بن عبد الله ابن بطوطة الطنجي صاحب "تحفة
الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" (ت718/1308). وأصبحت الإجازة خصوصا
منذ بداية القرن الحادي عشر (17م) من الأصناف المتبعة بكثرة، وعلى هذا المنوال نسج
أبو عبد الله بن محمد العياشي الفاسي صاحب "الرحلة الناصرية" (ت
1192/1717). وقد تضمنت الرحلة الحجازية لمحمد السنوسي التي قام بها في غضون سنتي
(1299-1300/1882-1883( تراجم لثلاثة
من أعلام العلم والتصوف ممن اتصل بهم وتلقى عنهم الإجازات، وذكر بعضا منها في
الفصل الأول من الجزء الثالث من رحلته (5(.
والإجازة التي بين أيدينا موجهة إلى "محمد باي" والمعني به كما
قلنا هو ولي العهد محمد الهادي باي، تسلمها عن شيخ الطريقة القادرية بدمشق "السيد
أبي بكر بن مصطفى الكيلاني".
4 محمد ابن الخوجة، تاريخ معالم التوحيد في القديم
والجديد، دار المغرب الإسلامي، بيروت 1985، ص 90-91.
________________________________________________
4 محمد ابن الخوجة، تاريخ معالم التوحيد في القديم
والجديد، دار المغرب الإسلامي، بيروت 1985، ص 90-91.
5 انظر محمد السنوسي، الرحلة الحجازية، تحقيق علي
الشنوفي، الشركة التونسية للتوزيع، 1398/1978.
على أن هذه الإجازة لا تلمح بشيء عن المكان الذي كتبت فيه. ولا ندري على التحقيق
إن كان محمد الهادي باي قد تسلمها مباشرة من شيخ الطريقة القادرية بدمشق أثناء
رحلة قام بها إلى بلاد الشام، ولا يذكر التاريخ على حد علمي أنه سافر إلى المشرق،
ولكن المعلوم أنه أدى أيام ملكه زيارة رسمية إلى فرنسا سنة 1321/1904، أو ما إذا
كان الشيخ قد بعث إليه بهذه الإجازة عن طريق بعض الناس، وأغلب الظن أن يكون الشيخ
قد زار تونس واتصل به الأمير هناك.
والسيد أبو بكر بن مصطفى الكيلاني هو من عقب الإمام الصالح عبد القادر
الجيلاني أو الكيلاني أو الجيلي (بكسر الجيم وفتح الياء) ينتهي نسبهم إلى الحسن بن
علي رضي الله عنهما، منهم عبد الكريم بن الجيلي (ت762/1428) ابن سبط الشيخ عبد
القادر الجيلاني، من علماء التصوف وله كتب كثيرة طبع منها "الإنسان الكامل في
معرفة الأواخر والأوائل" (في إصلاح الصوفية) و "الكهف الرقيم في شرح بسم
الله الرحمان الرحيم"، ومنهم علي بن يحي بن أحمد الكيلاني الحموي (ت
1113/1702) شيخ السجادة بحماة سوريا، ونقيب الأشراف، له نظم جمعه في ديوان مخطوط
بدار الكتب الظاهرية بدمشق، ومنهم محمد بن صالح بن عبد القادر الجيلاني الدمشقي (ت
1244/1828)، من تآليفه "نسمات الأسحار في فضائل العشرة الأبرار" (مخطوط
في أربعة مجلدات بخطه في الخزانة الظاهرية)، ومنهم كذلك عبد الرحمان بن علي
الكيلاني (ت 1345/1927)، نقيب أشراف بغداد ورئيس وزارة العراق الأهلية الأولى، وهو
الذي أمضى المعاهدة مع البريطانيين في عهد الملك فيصل، ومن تآليفه "الفتح المبين في الرد على ترياق
المحبين".
وجدهم مؤسس الطرقة القادرية هو قطب الطرق الصوفية وسلطان الأولياء الشيخ
عبد القادر ابن موسى جنقروش بن عبد الله بن جنكي دوست الحسني، أبو محمد محي الدين
الجيلي أو
الجيلاني نسبة إلى جيلان مسقط رأسه الواقعة وراء طبرشان بإيران. ولد عام
واحد وسبعين وأربعمائة (471/1078) والتحق في السابعة عشر من عمره ببغداد، فتبحر في
علمي الشريعة والحقيقة، ودرس الفقه الحنبلي على أبي سعيد المخرمي، واعتنى بأخذ
الحديث وسمع منه أبو سعيد عبد الكريم بن محمد السمعاني المروزي- الرحالة والمؤرخ والمحدث (562/1167)- وأخذ
الآداب عند إمام اللغة الخطيب التبريزي، أبي زكرياء يحي بن علي الشيباني، الذي كان
تلميذا لأبي العلاء (ت502/1109)، ولازم الشيخ عبد القادر الجيلاني العارف بالله
أحمد الدباس وأخذ عنه علوم الباطن. وقد صنف في الأصول والفروع وألف عدة أحزاب
سماها الصلوات الصغرى والوسطى والكبرى، وله كتب طبعت منها "السفرية لطالبي
طريق الحق" و "الفتح الرباني" و "فتوح الغيب" و
"الفيوضات الربانية" ومما يؤثر عنه أنه كان يأكل من عمل يده.
عقد المجلس سنة (528/1134) وجرت على لسانه الحكمة وبرع في أساليب الوعظ،
فشاع صيته بين الناس وأتوه من كل حدب وصوب.
توفي في بغداد سنة (561/1165)، ومشهده يزوره كل عام جموع من أتباعه تبركا
به.
وقد اجتمع بالشيخ عبد القادر الجيلاني في مكة أبو مدين شعيب بن الحسن
الأندلسي، الملقب بالغوث، دفين تلمسان (ت 594/1198)، وتسلم منه الطريقة ولبس
الخرقة من يديه. واجتاز أبو مدين تونس عند إيابه من الحج فأقام بها مدة، وكان
يجتمع بالأصحاب من كبار الزهاد وأهل الفضل بمسجد سوق السكاجين (المعروف إلى يومنا
بمسجد أبي مدين)، وهم عبد العزيز المهدوي وأبو سعيد الباجي ومحمد الدباغ (والد
صاحب معالم الإيمان) وأبو علي النفطي والطاهر المزوغي السافي وجراح بن خميس (دفين
المرسى) وابن صالح بن محمد التونسي وأبو يوسف الدهماني وغيرهم ممن تلقوا عن الشيخ
أبي مدين الطريقة القادرية. وداوم البعض منهم على زيارته ببجاية عند انتقاله إليها
بعد إقامته بفاس.
فالطريقة القادرية من أعرق الطرق الصوفية عهدا بإفريقية. ظهرت في القرن
السابع (14م) قبل الشاذلية والرحمانية، وكلتاهما متفرعتان عنها. وحددت رسومها عند
قدوم الاتراك في القرن التاسع (16م) لاعتقادهم في القطب عبد القادر الجيلاني. وقد
تبنى السلطان العثماني هذه الطريقة وكانت منتشرة بالأندلس على عهد ملوك بني نصر
بغرناطة فتعززت بإفريقية عند حلول الجالية الأندلسية بها. وكان المولى حسين بن علي
رأس الدولة الحسينية شديد التعلق بأذيال الشيخ الجيلي ملازما لخدمته،
________________________________________________
6 أنظر محمد البهلي النيال، الحقيقة التاريخية للتصوف الإسلامي، مكتبة النجاح للنشر والتوزيع، تونس، 1965 ص 102، خير الدين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، ج4، س 47، J.ARBERRY,Le Soufisme, Abbeville, France, 1952, p98
كما بين ذلك مؤلف المشرع الملكي، إذ سعى هذا الباي في ترميم زاوية كانت بسوسة أوقف عليها أوقافا ونسبها إلى الطريقة القادرية، وأشاد بمدينة قفصة مدرسة للقادرية7) .(
غير أنه لم يكن لهذه الطريقة شيخ يجتمع حوله المريدون إلى أن برز العارف
الشيخ علي بن عمر الشائب أواخر القرن الثاني عشر (18م) الذي انخرط في الطريقة
وتسلمها بالمدينة المنورة عن الشيخ الصوفي محمد بن عبد الكريم الشهير بالسمان (ت
1189/1776). وعند رجوعه إلى تونس اشتهر علي الشايب بالصلاح ووثق به الأمير حمودة
باشا (1196-1229/1781-1813) وشرع في نشر الطريقة وإقامة أورادها ووظائفها، وأسس
لذلك زاوية ببلدته منزل أبي زلفة، ولم يتمها وتوفي بالطاعون، فأكمل بناءها الأمير
حمودة باشا وأصدر فيها أمرا برعايتها. وتولى المشيخة بها بعد وفاة الشيخ علي
الشائب تلميذه الأكبر محمد بن فرج المعروف بالإمام المنزلي، وكان ينظم الأشعار
(1248-1832). وأعقابه توارثوا القيام على الزاوية وخطة الخطابة والإمامة بجامع
المنزل، وأول من باشرها منهم جدهم الأعلى الذي أتى من مصر حتى اشتهرت أسرتهم إلى
اليوم بعائلة الإمام (8(.
وقد أجاز الشيخ علي الشائب تلميذه محمدا الإمام بإجازتين وسندين، لأنه أخذ
الطريقة في المرة الأولى كما أسلفنا عن الشيخ محمد السمان بالحجاز، وأجازه بإسناده
فيها، ثم عند سفرته الثانية إلى بغداد زار مقام الشيخ عبد القادر الجيلاني فأجازه
بعض أحفاد الشيخ الجيلاني بأسانيده. قال عنه تلميذه أحمد الحربي "...شيخ
الطريقة القادرية والمجيز فيها بالقطر الإفريقي لأن الإسناد في الطريقة المذكورة
كان لا يوجد بإفريقية في القرن الثاني عشر (19م)".
وعندما انتصب محمد الإمام شيخا على زاوية المنزل كان مبجلا لدى المولى
محمود باي (1230-1239/1814-1824) الذي أسدى إليه معروفا وإحسانا وخصه بطابع يوقع
به الإجازات، ومن تلاميذه القيروانيان أحمد بن محمد الحربي (ت 1284/1868) ومحمد بن
صالح عيسى الكناني (ت 1294/1875)، وللأول "شفاء الأبدان في المتأخرين من
صلحاء القيروان" وهو تتمة لكتاب "معالم الإيمان في معرفة أولياء
القيروان" للدباغ،
7 أنظر Mohamed Seghir Ben Youssef, Chronique Tunisienne, tr par Victor Serres
et Mohamed Lasram, Bouslama, Tunis 1976, p 9-10-79-106.
وقد أهمل الكثير من صلحاء القيروان ولم يستقصهم، وختمه
بترجمة أستاذه محمد الإمام، وللثاني "تكميل الصلحاء والأعيان" جعله ذيلا
لمعالم التوحيد ونقل فيه الكثير عن كتاب "شفاء الأبدان" (9(.
________________________________________________
7 أنظر Mohamed Seghir Ben Youssef, Chronique Tunisienne, tr par Victor Serres
et Mohamed Lasram, Bouslama, Tunis 1976, p 9-10-79-106.
8 أنظر محمد محفوظ، تراجم
المؤلفين التونسيين، دار الغرب الإسلامي، بيروت ، 1982 (الإمام المنزلي، ص 68-69).
وقد أهمل الكثير من صلحاء القيروان ولم يستقصهم، وختمه
بترجمة أستاذه محمد الإمام، وللثاني "تكميل الصلحاء والأعيان" جعله ذيلا
لمعالم التوحيد ونقل فيه الكثير عن كتاب "شفاء الأبدان" (9(.
وكما واظب الأمراء الحسينيون الأولون على الطريقة القادرية، لازم واسطة
عقدهم أحمد باي المشير الأول (1253-1271/1837-1855) الطريقة الشاذلية. وقد حضر
بنفسه موكب جنازة الشيخ المفتي الأول محمد الشاذلي بن عمر ابن المؤدب، شيخ المقام
الشاذلي، المتوفى سنة 1263/1842. قال عنه ابن أبي الضياف: "وحمل نعشه ومشى في
جنازته كواحد من أهل الطريقة وهو من أهلها (10(.
وانتسب الملوك الحسينيون المتأخرون إلى الطريقة التيجانية التي أتى بها إلى
تونس عالم القطر الشيخ إبراهيم الرياحي (بعد اجتماعه بالقطب أحمد التيجاني عند
سفارته بالمغرب لطلب الميرة عام (1212/1811)، فكان غالب حاشية القصر الملكي منذ
ذلك الحين متبعين لهذه الطريقة والناس على دين ملوكهم. ولم يزل فرع علي باي الثالث
متمسكين على عادتهم بالطريقة القادرية سالكين في ذلك مسلك أجدادهم إلى وقت قريب.
ولم تلبث أن انتشرت القادرية في أماكن عدة من أنحاء المملكة، وخاصة الجهات
المحيطة بالكاف، وتعرف زواياها أيام الأعياد بألوية حمراء تكون في غاية الارتفاع.
ومن أشهرها زاوية نفطة التي تأسست سنة 1264/1843، وقد ساعف صاحبها إبراهيم بن أحمد
الكبير
وأقام الحاج محمد المازوني المغربي أصيل مازونة بمنطقة وهران زاوية بالكاف
عند استقراره بها عام 1250/1834. وقد وردت على ما يقال في شأنه كرامات من ذلك أنه
كان يتنبأ بما سيقع من الأحداث ويطلع على ما يجول في خاطر المتحدث له، كما عرف عنه
أنه لما وقعت حرب القرم بين تركيا وروسيا عام 1262/1854 وقرر أحمد باي التبرع بشيء
من المال لصالح الدولة العثمانية
________________________________________________
9 محمد بن صالح عيسى الكناني، تكميل الصلحاء
والأعيان لمعالم الإيمان في أولياء القيروان، تحقيق وتعليق محمد العنابي، المكتبة
العتيقة بتونس، 1970، ص 285.
رفض الحاج المازوني أداء المعونة المالية وبدا له
عدم وجوبها وفضل صرف ما جمعه في شراء القمح وتوزيعه على المحتاجين، ثم تبينت رجاحة
رأيه في ما بعد عندما رجع الجيش التونسي من غير طائل وهلك منهم عدد كبير.
________________________________________________
9 محمد بن صالح عيسى الكناني، تكميل الصلحاء
والأعيان لمعالم الإيمان في أولياء القيروان، تحقيق وتعليق محمد العنابي، المكتبة
العتيقة بتونس، 1970، ص 285.
10 أحمد بن أبي الضياف، اتحاف أهل الزمان، دولة
أحمد باي، تحقيق أحمد بن عبد السلام، الشركة التونسية للتوزيع، 1985، ص 152.
11 أنظر لطيفة الأخضر،
الإسلام الصوفي، دراسة في موقعه من المجتمع ومن القضية الوطنية، دار سراس للنشر،
تونس، 1993، ص 45.
ثم أقام الحاج محمد المازوني زاوية أخرى بمدينة تونس بنهج الديوان سنة
1266/1845، فكانت أول زاوية قادرية بالحاضرة. وحبس كل من محمد بيرم الخامس وحمدة
بطيخ على رقابتها عدة أحباس وممن ولي عليها الشيخ محمد ابن شعبان إمام جامع باردو
المتوفي سنة 1337/1918 والمشيخة باقية في أحفاده.
وبعد وفاة الحاج محمد المازوني انتصب قدور "ابن مقدم زاوية الكاف"
آنذاك شيخا عليها وعلى زاوية الحاضرة. وقد خصه الحاج محمد المازوني بمنزلة الابن
ولم يكن له عقب فورث عنه الولاية ودعا نفسه باسمه. وقد وقف موقف الخذلان عند الاحتلال
الفرنسي، وكانت بينه وبين روا (Bernard
Roy)
عون القنصل الفرنسي بمدينة الكاف مراسلات، فعندما اقتحم اللواء لجيرو (Gl. François Logerot) بكتيبة من الجيش هذه المدينة،
وكان ذلك يوم السادس والعشرين من أبريل 1881، سعى قدور المازوني لصد المناوشات
التي أوشكت أن تتحول إلى مقاومة وحمل المناهضين على النكوص وعدم معارضة احتلال
مدينتهم، في حين كان يومذاك شيخ الزاوية الرحمانية بالكاف علي بن عيسى يستنفر
الناس ويناديهم بالجهاد (12(.
وقد اتخذ غالب مشايخ الزوايا سياسة التخلي والامتناع عن العون والنصرة
للمقاومين الثائرين الذين بادروا القوات الغازية بالتصدي. وكانت جل القبائل في
حالة انتفاضة عارمة يسيرها علي بن خليفة قائد نفات.
________________________________________________
12 أنظر التليلي العجيلي، الطرق الصوفية والإستعمار الفرنسي للبلاد التونسية (1881-1939)، الجامعة التونسية، كلية الآداب 1986-87 (أطروحة للمرحلة الثالثة).
واتسم شيوخ الطرق بالرضوخ والامتثال لسلطة الغالب نظرا للمكانة المرموقة التي كانوا يتمتعون بها وما كانوا يتقاضونه من الضرائب التي يجمعونها من أتباعهم بقيادة الجنرال بربارت. وقد شوهد البعض منهم من بين الوفود التي وقفت على أبواب المدينة لاستقبال العسكر عند دخولهم للحاضرة، ولعل منهم من لم يجد بدا من الاذعان والقبول لمثل هذا التصرف اعتبارا للمنصب الوجيه الذي كان يشغله في ذلك الوقت وحفاظا عليه.شيخ زاوية يحرض على الجهاد (ضد الاحتلال الفرنسي), محفورة نشرت بمجلة "L'Illustration", عدد 2016, 15 أغسطس 1881 ,Collection G Bacquet
ومن المبالغ فيه أن ندعي بأن أصحاب الزوايا كانوا في جملتهم متواطئين مع
الاستعمار، فإن بعضهم، خاصة منهم الرحمانية، ساهموا في المقاومة مساهمة فعالة
وقاموا في وجه العدوان، إلا أن مثل هذه الردود لم تكن عامة وكانت أغلبية الزوايا
في استقالة وحل تام من القضية الوطنية وعدم المشاركة في الكفاح الشعبي ضد نظام
الحماية, ومما يذكر في حوادث 9 أبريل
1938 أن أحمد سالم بن زواري (الملقب بقدور نسبة إلى جد أمه الذي خلفه في مشيختي
الزاويتين بالحاضرة والكاف) ذهب إلى مركز المراقبة المدنية حيث أعلن أمام المراقب
المدني الفرنسي عن طاعته وولائه للدولة الحامية (13).
وقد دفعت هذه المواقف بالنخبة الوطنية منذ فجر هذا القرن إلى إعلان الحرب
على الزوايا. وكان للزعيم السياسي عبد العزيز الثعالبي كرة على أصحاب الطرق. فعند
رجوعه من الهجرة إلى المشرق سنة 1902 بدأ يكون جيلا من الشبان يرشدهم إلى فهم
أسرار الدين فهما صحيحا ويدعوهم إلى نبذ الجمود الفكري والطرقي ونشر الأفكار
العصرية التي ترمي إلى النهوض بشعبهم نهوضا أدبيا واجتماعيا. وكان تحامله على
الطرق مظهرا من مظاهر دعوته الإصلاحية التي كان ينادي بها، وكان ذلك من الدواعي
التي أدت إلى محاكمته واعتقاله في السجن لمدة شهرين. واثر سراحه أسندت إليه
مسؤولية الإشراف على النشرة العربية لجريدة "التونسي" فكان حينئذ من
أبرز رواد حركة الشبان التونسيين. وقد عرج محمد الأصرم أحد عناصر هذه الحركة في
محاضراته التي ألقاها في المؤتمر الاستعماري المنعقد بمرسيليا أوائل سبتمبر 1906
على الوضع الذي كان سائدا في مجتمعه. ومن القضايا التي تناولها بالنقد قضية الطرق
الصوفية، إذ اعتبرها عاملا من عوامل التخلف وحائلا دون التقدم والرقي الاجتماعي.
ومن بين الوسائل التي طالب بها أن تتخذ إجراءات حاسمة للقمع أو الحد من نفوذ
الزوايا ومقاومتها بتنوير العقول وإنشاء مدارس لتعليم العامة تعليما عصريا.
________________________________________________
13 المرجع السابق، ص 95.
والبيئة التونسية مازالت منذ عهد غير بعيد مستغرقة في غيبوبة صوفية كما كان الحال في غالب أنحاء العالم الإسلامي، كانت تعيش أزمة من التعصب والجمود والمغالاة في الاعتقاد في الأولياء. فقل أن تجد فردا من أفرادها لا ينتمي إلى طريقة من الطرق، كل الناس باديهم وحاضرهم خاضعين لهيمنة الزوايا، منهمكين في بناء المشاهد والأضرحة لا يألون جهدا من التبرك بها وتقديس أمواتها والنذور لهم بالذبائح والقرابين واستعمال السحر والطلاسم وما إلى ذلك من مسالك الشعوذة والدجل والأوهام الباطلة التي لا تجدي نفعا والتي كانت سائدة على العقول، وهي من رواسب الوثنية التي قاومها الإسلام أشد مقاومة.
ولا يفوتنا القول بأن هذه البدع الزائفة التي ظلت باسطة جناحها على المجتمع
الإسلامي مدة قرون لا تفرض القول بأن الطرق الصوفية لم يكن لها في العهود الماضية
غير الجوانب السلبية، ففي ظرف تاريخي عصيب لاقى فيه العالم الإسلامي تيارات عنيفة
من الضعف والانحلال، قامت الزوايا مقام المدارس في إيواء طلبة العلم وتلقينهم
المبادئ الضرورية من الدين، ونشر الثقافة العربية الإسلامية وإفشائها في الأصقاع
القريبة والنائية، فحافظت تلك الثقافة على كيانها وإن كانت منطبعة بطابع الجمود.
وقد تركت الطرق أثرا مهما في الأدب نثرا وشعرا لا سيما في فنون الغناء والإنشاد (14)، وكثيرا ما اعتمد الحكام على
مشايخ الصوفية في التعبئة الروحية للجهاد وصد غارات العدو. وقد حركت الطرق الصوفية
المقاومة في المغرب الأقصى ضد الزحف المسيحي في القرن الثامن (15م).
وعند استيلاء الجيش الفرنسي على أرض الجزائر قام شيخ زاوية القادرية الشيخ
محي الدين ابن مصطفى، بمدينة معسكر بعمالة وهران، بأعباء القيادة والحكم، وجرت له
مصادمات مع القوات الفرنسية. وظل ابنه الأمير عبد القادر رمز الجهاد والصمود في
حربه لفرنسا وكانت بينه وبينها وقائع مشهودة (15).
و لا يفوتنا أن نذكر الدور البطولي الذي قام به الفقيه المربي و القائد السياسي, شيخ الطريقة الشابية, عرفة الشابي (سيدي عرفة كما شاعت تسميته عند العامة) حينما جمع حوله شتى القبائل التي كانت متناثرة فألف بينهم و أعلن المقاومة و الجهاد ضد الزحف المسيحي على إفريقية الذي شنته جيوش ملك إسبانيا شارل الخامس بإيعاز من عميلهم الحسن الحفصي طمعا في استرداد ملكه الذي انتزع منه, و سيدي عرفة هو ابن الشيخ أحمد بن مخلوف الشابي, مؤسس الطريقة الشابية, وهو أحد أقطاب التصوف في العهد الحفصي و من أبرزفقهاء المالكية, و قد انتشرت طريقتة, المتفرعة عن الشاذلية, في عدة أقطارإسلامية غربا و شرقا (16)
ومما لا ريب فيه أن ما كان يصبو إليه الصوفيون من التربية الروحية ومن
الزهد والانقطاع والولع والتوبة والرضا، إنما هي أمور يحث عليها الإسلام ويعمل من
أجلها، لكن الذي ذهب إليه بعضهم من الحلول والاتحاد والفناء وسلوك طريق المجاهدات
الصعبة، إنما هي أمور انحدرت من مصادر داخلية عن الإسلام كالهندوسية والبوذية
والأفلاطونية والزرداشية والمسيحية.
14 انظر الصادق الرزقي، الأغاني التونسية، الدار
التونسية للنشر 1989 (كلمة عامة في الطرق بالقطر التونسي) ص 101-155، فتحي زغندة،
الطريقة السلامية في تونس، أشعارها وألحانها، المجمع التونسي للعلوم والآداب
والفنون، بيت الحكمة، 1991.
________________________________________________
14 انظر الصادق الرزقي، الأغاني التونسية، الدار
التونسية للنشر 1989 (كلمة عامة في الطرق بالقطر التونسي) ص 101-155، فتحي زغندة،
الطريقة السلامية في تونس، أشعارها وألحانها، المجمع التونسي للعلوم والآداب
والفنون، بيت الحكمة، 1991.
15 Ahmed
NADIA, « les ordres religieux et la conquête française (1851-1880) »,
Revue algérienne des sciences juridiques, économiques et politiques, vol IX,
n°4, déc 1972 ; p.819-868. )(116
)16) أنظر علي الشابي "عرفة الشابي رائد النضال القومي في العهد الحفصي" تونس ليبياو= الدار العربية للكتاب يناير 1982
لئن ظهر التصوف في العصور الذهبية وعلى عهد الدولة العباسية في إطار فلسفي وفكري راق، إلا أنه في القرون المتتالية لما شهد العالم الإسلامي تدهورا سياسيا واجتماعيا وثقافيا اضمحل منه ذلك النقاش الفلسفي، وحل محله التحجر والتصعب الفكري، فتسرب التصوف إلى افريقية في شكله الطرقي، ووجد إقبالا من العامة الذين حرفوه عن مواضعه، فأصبح بابا واسعا ولجت منه كثير من السلبيات مثل التواكل وإلغاء شخصية الفرد وتقديس شخصية الشيخ فضلا عن كثير من الضلالات التي انجرت عن ابتداع الغالين والجهلة بعد موت الأقطاب من الصوفية بمدة طويلة.
وقد تقلص نفوذ الطرق الصوفية في معظم أنحاء العالم الإسلامي، وتراجع في
المجتمع التونسي لا سيما مع النهضة الإصلاحية التي عرفتها البلاد منذ نهاية القرن
الماضي، فلم يعد لهذه النزعة اليوم ذلك السلطان الذي كان لها من قبل. (17)
)17) وهبت هذه الوثيقة إلى دار الكتب الوطنية, و سلمتها إلى المديرة السيدة رجاء ابن سلامة, صبيحة يوم 17 جانفي 2019.





















