dimanche 30 septembre 2018

اربعينية الفقيد أحمد الحبيب الجلولي


                                       

                                                         أربعينية الفقيد أحمد الحبيب الجلولي 

                         تخليدا لذكرى أحد رجالات تونس و أعيانها                                                               
                                                "الصباح", الجمعة 13 ماي 2011, ص 8
   

    
                         

طلعة بهية و حسن السمت و رقة في الذوق و أناقة في الملبس, كان يرتدي الزي التقليدي من البرنس و الجبة الموشحة بخيوط الحرير كأحسن ما ترى و يتوج رأسه بشاشية قرمزية عالية القامة تضفي عليه حسنا و بهاء, تلك صفات حبا الله بها فقيدنا الراحل, و ذلك مظهره الرائع الذي كان يظهر به بين الناس. أما من خالطه عن قرب فسيستشف فيه سلامة في الطوية و سماحة في الأخلاق و رجاحة في العقل و علوا في الهمة, مما جعل الناس, خاصتهم و عامتهم, يضمرون له الود و يأثرونه بالمنزلة العالية و الحظوة السامية, كذلك كان في ذاته و نعوته و كذلك كانت مكانته عند كل من عرفه من قريب أو بعيد.

لقد فارقنا سيدي أحمد الجلولي منذ بضعة أسابيع ملبيا داعي ربه, و لقد كان حقا طوال حياته, لا سيما في الظرف الذي كادت فيه القيم أن تتداعى و عرى الثوابت أن تنحل, بمثابة القدوة لكل من تاقت نفسه إلى تهذيب في السلوك و اتباع لما تمليه قواعد العرف المقرر المرضي, لقد ساهم في إعطاء صورة مشرقة عن الشخصية التونسية المتكاملة, فكان رمزا للأصالة و للتربية العالية بأتم معناها, يتحلى بجمال الشكل و حسن المظهر و تصرف لائق مع الناس و ملازمة لقواعد السلوك المهذب و آداب الكلام, كل ذلك كان فيه سجية لا استعمال فيه و لا تصنع, بل كان متلائما مع طبيعته ممتزجا مع سمو ذوقه و رفاهة حسه, متناسقا مع حياته و بيئته. فكل من شاهده على تلك الصافات لا يلبث أن يغمره شعور قوي بالاعتزاز بهذا الوطن الذي أنجب هذا المثل العالي من الرجال و بشرف الانتماء إلى هذه الحضارة التي شعت بأبهى معاني العبقرية بما أرست من عادات أثيلة و قيم نبيلة.

أجل, لقد كانت شخصيته الفذة نابعة من جذور الماضي متمسكة بعراقتها متغذية بثقافتها, فكان لديه من الحيوية و الاعتناء بالموروث الحضاري و شديد الحرص على صيانة و إنقاذ ما يوشك أن ينجرف منه مع تيار التطور الساحق, كان يعتبر و أن آفة المستقبل الانصهار في بوتقة العولمة و ذوبان الذات, و أن ما يضمن تدعيم الهوية و تأصيل المكاسب الثقافية هو الحفاظ على التراث القيم و محاولة إبقائه على خصوصياته و ما يتمتع به من مميزات و تفرد, و بذلك يكون مظهرا صادقا للشعور القومي و تمكينا للوحدة القومية في الأجيال المتعاقبة.

بيد أن شخصه المتميز الذي كان ينفرد بطابع عربي أصيل قد تشبع في الوقت نفسه بالعلوم و المعارف الغربية و استقى من فنونها و آدابها, و لا ننسى أنه قد زاول تعليمه الابتدائي بمدرسة قرطاج و الثانوي بمعهد كارنو فكان يجيد اللغة الفرنسية إجادة كاملة, مما جعله متزامنا مع العصر بما يفرضه من حداثة و انفتاح.

 لقد أسعدني الحظ أن عرفته مليا, لما كانت تربطني به من أواصر المصاهرة و الصداقة, لا سيما و أني غالبا ما كنت ألتقي به عند زياراتي المتكررة إلى دار ابن عاشور, فكنت أشاطره الود و أقاسمه المحبة الخالصة لهذه العائلة الكريمة التي ما فتئت تجمعنا برواقها العلوي و ببستانها الزاهر بضاحية المرسى فتغمرنا بفيض رعايتها و سعة كرمها. كنت من بين الملتفين حوله بآذان مصغية إلى عذب كلامه, و كان خفيف النفس ذا دعابة و طرافة, و لا يسعني المجال في هذه العجالة أن أتحف القارئ بنبذ من الملح و النوادر التي حكاها و التي بقيت عالقة في ذهني.  
   

                                        


آخر صورة للسيد أحمد الجلولي وهو جالس بالمكتبة العتيقة الكائنة بنهج جامع الزيتونة و التي كانت منتدى العلماء و الأدباء, التقطها زميلنا صلاح الدين ابن عبيد قبل وفاة السيد أحمد الجلولي ببضعة أسابيع.


 لقد أضحى زينة المجالس و بهجة المحافل يلقى من قبل مضيفيه غاية الرعاية و التبجيل, كان لا يتخلف عن المنتديات و المحاضرات, و يتردد صبيحة أيام الخميس بصفة منتظمة إلى "المكتبة العتيقة" لصاحبها الشيخ علي العسلي أمين سوق الكتبية حيث يتلاقى مع نخبة من أهل الفكر يستأنسون بحديثه, و كان إذا اجتمع مع الملإ من الناس سرعان ما يأخذ بألبابهم و يشنف آذانهم فيسوق لهم ببالغ الدقة و منتهى التفصيل الأحداث و الوقائع لا يخطئ في ضبط تاريخها و لا يتلعثم في ذكر أسماء الأفراد أو الأمكنة الواردة في كلامه, و كان يستحضر فقرات برمتها من محض ذاكرته مما يدل على سعة اطلاعه على الكتب و المجلات العربية منها و الفرنسية التي كان حريصا على جمعها و المتعلقة بالتاريخ التونسي عامة و بالدولة الحسينية خاصة, ناهيك أنه كان يحفظ عن ظهر قلب جانبا من كتاب "الاتحاف" لابن أبي الضياف, و هذه المعرفة الجيدة بالأخبار السالفة و الأيام الماضية نجده قد تلقاها منذ نعومة أضفاره عن الوسط الذي تكون فيه و تطبع بآدابه, قال ابن أبي الضياف عن جده الأعلى محمود بن بكار الجلولي (المتوفى سنة 1893) : "و له معرفة تامة بالتاريخ", فكان حفيده كذلك كان المؤرخ اللبق, حديثه كما أشرنا متعة للسامع, بعيد عن العرض الجاف, تتخلله النكت الرقيقة و تنعشه الذكريات التي عاشها بنفسه أو حضرها مع مشاهير معاصريه, فينقل محاوراتهم و يبين مواقفهم و يرسم عنهم صورا حية ناطقة يصفهم كأنك تراهم رؤية العين.

لقد كانت له على الخصوص خبرة و دراية بالتقاليد ومواسم الأعياد و المناسبات عند أهل الحاضرة, فكان مرجعا لا غنى عنه يأوي إليه كل من أراد البحث في ما يتعلق بالمدينة العتيقة من دقائق العادات و التراتيب الجارية في الأفراح و الأتراح  و نسق العيش و حذق المهن و الصنائع و فن العمران و إشادة المعالم... و بالمناسبة فقد حثني على الاطلاع على كتاب حين صدوره سنة 1994 عن دار النشر ساراس, للأديب و الرحالة محمد بن عثمان الحشائشي (مؤلف "تاريخ جامع الزيتونة"), و عنوان الكتاب "الهداية أو الفوائد العلمية في العادات التونسية", قال لي ستجد فيه من المعلومات الوافية عن حياة المجتمع وعوائده, و من التفاصيل التي أهملها المؤرخون ولم يعنوا بها و اكتفوا بذكر أحوال الملوك و الدول, في حين أنها في حد ذاتها, رغم ما يبدو من تفاهتها, يمكن أحيانا أن تسعف المؤرخ و أن تكون له مستندا لإجلاء الالتباس عن بعض الجوانب لأحداث تاريخية هامة.

كانت لا تفوته أية شاردة و لا واردة فيما يتعلق بالكتب و المخطوطات المتفرقة في شتى المكتبات العامة أو الخاصة. و قد حدثني عن بعض المؤلفات التي استأثرت بها مكتبتنا العائلية, و ذكر لي على الخصوص مخطوطة قديمة تشتمل على كتابين اثنين, عنوان الأول "جر الذيل في علم الخيل" و عنوان الثاني "كتاب الخيل و السراج و اللجام" لمؤلفهما أبي عبيدة النحوي معمر بن المثنى التيمي بالولاء (المتوفى سنة 209 \824), و أكد لي أن هذه النسخة فريدة من نوعها و لعلها لا يوجد لها نظير, و لما أعلمت بذلك والدي طيب الله ثراه أخرج لي هذه المخطوطة العجيبة من ناحية التزويق و رونق الخط و ما تحويه من رسوم تخطيطية لأنواع السرج و الرّحالة و العذار و اللجام ولوازم ركوب الخيل, و أعلمني أن هناك نسخة خطية أخرى موجودة بالهند, وأن الباحث و المحقق المرحوم محمد التركي (مدير التشريفات بالقصر الملكي سابقا) و الذي كان صديقا للعائلة, قد استعار المخطوطة وأتاح للمكتبة الوطنية بباريس استنساخها فتوغرافيا, و تبين بعد ذلك أن المخطوطة الهندية قد تم طبعها لأول مرة سنة 1358\1932. و لا شك في أن اهتمام السيد أحمد الجلولي بهذه النسخة بالذات ناتج بصفة خاصة عن الهواية التي اشتهر بها, على غرار ما كان عليه والده من حب الفروسية و ركوب الخيل العتاق, و هي هواية قد تعاطاها و برع فيها منذ شبابه, فكان ديدنه أن يجمع بين الاقبال على مطالعة الكتب و رياضة الفروسية و هما خير ما يشغل به الوقت كما عنى به المتنبي في قوله :

               أعز مكان في الدنا سرج سابح    و خبر جليس في الأنام كتاب  

و في محبة الخيل العتاق و التعلق بها يقول ابن عباس رضي الله عنه :

               أحبوا الخيل و اصبروا عليها       فإن  العز  فيها  و الجمالا
               إذا  ما  الخيل  ضيعها  أناس       ربطناها  فشاركت  العيالا
               نقاسمها  المعيشة   كل  يوم         و نكسوها البراقع والجلالا   

كان معروفا بكرم الوفادة و أدب الضيافة, يرحب بمن يزوره في قصره الفسيح الكائن بنهج الغني بحي باب المنارة بالعاصمة, و الذي ظل منذ عهد قديم مقر آبائه و أجداده, قال عنهم صاحب الاتحاف : "من البيوت المشهورة و آثارهم مأثورة و رسوخ قدمهم في الخدمة من لدن بني حفص", و قال عنهم العلامة الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور في "تراجم الأعلام" (وهو ابن خال مترجمنا) : "بيت من أعرق البيوت التونسية في المجد المخزني و أرسخها قدما في الرئاسة (...) تسلسلت فيه الولايات الكبيرة و المناصب الخطيرة من عهد الدولة الحفصية". و قد نشأ صاحب الترجمة بين يدي والده السيد الحبيب بن علي بن فرحات  الجلولي الذي أولاه الرعاية و العناية و التربية الصالحة, فكان له في والده صبابة و اعتزاز, و قد تولى هذا الأخير منصب وزير قلم ثم وزير عدل في مدة محمد الأمين باي, و أم مترجمنا هي سارة شقيقة الامام المنعم الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور صاحب "التحرير و التنوير".

و من عادته أنه كان يمد كل من يتوجه إليه من الدارسين و المؤلفين بما يهمهم من الوثائق الفريدة و الكتب النادرة التي احتوت عليها مكتبته الغنية بالنفائس. و قد جمع من الوثائق و الأرشيف كما هائلا و جعله على ذمة الباحثين فيستنسخ لهم الوثيقة التي يحتاجونها و لا يتقاضى على ذلك أي مقابل, و قد سبق أن  كنت توسلت لديه لبعض الطلبة النابهين ممن أشرفت على أطروحاتهم الجامعية في اختصاص الفنون و الحرف, و التمست منه مساعدتهم فلبى الطلب و أمدهم بما لا يستغنون عنه من المراجع, هكذا كان دأبه يكرم طلاب العلم غاية الاكرام, حتى أنه لا يكاد يصدر كتاب أو تأليف يكون له مساس بتونس و بتراثها العلمي أو المعماري أو الفني بصفة عامة إلا و يدبج اسم أحمد الجلولي في قائمة الاهداء أو الشكر و الثناء, و إكرامه لأهل العلم كما قلنا كان تأسيا بآبائه فهي عادة عندهم مألوفة, قال ابن أبي الضياف عن جده محمود الذي ذكرناه آنفا : "و له كتب بداره في الحاضرة لا يمنع من يريد الانتفاع بها" و يضيف المؤرخ قائلا : "و هي التي انتفعت بها في قراءتي أجزل الله ثوابه".




              مناسبة افتتاح مشربة الحديقة 2 : السيد أحمد الجلولي و بجانبه السيد عبد العزيز الاصرم رئيس النادي الافريقي 


لقد أمست دار الجلولي في حياة سيدي أحمد في أبهى حلة, كانت مقصد الزائرين من أهل الفكر و السياسة و السفراء و الدبلوماسيين, و كان يطلع زواره على ما لديه من التراث العائلي القيم, و جعل من قصره متحفا مزدانا بالأثاث العتيق , غنيا بالطرف الثمينة و القطع الأثرية و المخطوطات المعتبرة, مما يقدم مشهدا حيا عما كان عليه منذ زمان نمط العيش في قصور المدينة, و من المأمول أن يبقى هذا القصر البهيج على حالته تلك و أن يحافظ على كل ما يحتويه من الأمتعة و التحف و أن لا تحول من أمكنتها حتى تبقى على الدوام أثرا ملموسا  و شاهدا على صاحبها, و لقد أحسن القائل :

                      آثاره تنبيك  عن   أخباره    حتى  كأنك   بالعيان  تراه.

       





                                                                       بقلم خالد الأصرم, سكرة, الخميس 14 أبريل 2011
                                                                                                                                    

 

mercredi 2 mai 2018

جوانب من حياة الشيخ محمد علي الأصرم


جوانب من حياة الشيخ محمد علي الأصرم


                                                     أسرة الشخص والداه و فيما    بين حضنيهما الحياة تطيب        
                                                                                         فإذا ما طواهما الموت عنه    فهو في الناس أجنبي غريب
                                                                                                                       أبن الرومي



            
الشيخ محمد علي الأصرم, 1979

مولده ونشأته   
                                                                                            
ينتمي الشيخ محمد علي  بن بلحسن بن محمد الأصرم  إلى أسرة يرتقي نسبها إلى قبائل الفتح من اليمنية, استوطنت القيروان منذ تأسيسها على يد الأمير عقبة بن نافع الفهري, ثم استقرت بالحاضرة عند رجوع محمد الرشيد باي من منفاه و استرداد ملك أبيه, و انتظم أفراد منها في سلك الدولة الحسينية و تداولوا رئاسة الكتابة.  
                                                                          
ولد الشيخ محمد علي يوم الاثنين في الثامن من رجب 1337 \ 8 أبريل 1919 بدار عائلته  الكائنة بنهج بئر الحجار بالمدينة العتيقة, وكان أبوه من أعيان الحاضرة و وجهائها, و أمه كلثوم ابنة حسونة بن أحمد الحدّاد من سلالة عائلة أندلسية أصلها من إشبيلية هاجرت إلى تونس في نهاية القرن السادس عشر, واكتسبت سمعة بين الناس و شهرة تجارية, و انقرض نسلها و آخر من عاش منها كلثوم والدة مترجمنا.

مراحل دراسته

تلقّى الشيخ محمد علي منذ نعومة أظفاره تربية قرآنية بيتية,  و أول من لقنه حفظ القرآن الكريم المؤدب الشيخ محمد بن علي بن فرج سعيّد أصيل بلدة بني خيار بالوطن القبلي التي اشتهر أهلها بالحفظ الجيد لكتاب الله (1), ثم أعقبه الشيخ البشير الزّعبار و كان مختصا  في علم التجويد و القراءات بجامع الزيتونة, و في الآن نفسه زاول الشيخ محمد علي تعليمه الابتدائي بمدرسة خير الدين باشا بنهج التريبونال, و أتقن اللغة الفرنسية على يد المعلمة الآنسة ريفالو (Réfalo) التي كانت تأتيه يوميا إلى المنزل  و تخصص له دروسا مسائية, و هكذا تمكن من الجمع بين الثقافتين العربية و الفرنسية, و كان ولوعا منذ حداثة سنه بالأدب العربي  قديمه و حديثه,  وقد حفظ  جانبا  من القصائد الشعرية, و بخاصة ديوان شاعر النيل حافظ إبراهيم الذي كان يعرضه بأكمله عن ظهر قلب. و بتحريض من صهره (زوج أخته الكبرى) الشيخ محمد المستيري,  انخرط في سلك طلبة الجامع الأعظم بعد نجاحه في امتحان القبول. و من ذلك الحين اعتنى به الشيخ المستيري غاية الاعتناء, وهو آنذاك من المدرسين البارزين بجامع الزيتونة (2),  حتى أنه كان يستقبله  سائر الأيام بمنزله  و يمنحه المديد من وقته يطالعه أهم الكتب المتداولة من متون و شروح و حواشي, و ينير له سبيل المعرفة و يساعده بتوجيهاته القيمة على تخطي صعاب المسائل العلمية, و بعد جهد متواصل تمكن الطالب بفضل متابعة صهره الذي كان له بمثابة الأب الروحي و المعلم المرشد من اجتياز الاختبارات و الارتقاء في المراتب فتحصل على الأهلية (1358\1939) و منحت له الشهادة بذلك من شيخ الجامع الشيخ محمد العزيز جعيط, و أحرز على التحصيل في العلوم (1361\1942) و منحت له الشهادة بذلك من شيخ الجامع الشيخ صالح المالقي, و أحرز على  العالمية في القسم الشرعي شعبة أصول الدين (1363\1944) و منحت له الشهادة بذلك من شيخ الجامع الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور,  (3) و شارك في مناظرة التدريس من الطبقة الثالثة (1367\1948) و كان أول فائز من بين المترشحين, و موضوع المقال الذي تعين في تلك السنة "العطف على الضمير", و أما درس المناظرة فقد ورد نصه كالآتي"المحلّي من المقدمات من قوله "الأكثر أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطا في صحة التكليف" إلى قوله "قال الشيخ الامام بإخراج الغاية", و في سنة /1372 1953 أحرز على التدريس من الطبقة الثانية الذي مكنه من الدخول في  سلك المدرسين الرسميين.



                                      مدرسة خيرالدين, 1927, محمد علي (السادس على يمين الصف الثاني)

أساتيذه و شيوخه

تتلمذ الشيخ محمد علي بين عرصات جامع الزيتونة  لنخبة نيّرة من المشايخ الأجلاء و الأئمة الأعلام,  نخص بالذكر منهم الشيخ العلامة أحمد ابن ميلاد الذي توسم في تلميذه علامات الفطنة والنجابة فكان أول من شجعه من شيوخه و أثر في نفسه تأثيرا بليغا, وقد أخذ أيضا عن الشيخ الفرضي محمد الصادق الشطي, و العلامة الشيخ محمد العربي الماجري, و العلامة الشيخ محمد  العلاني , و قاضي الجماعة الشيخ محمد البشير النيفر, وتتلمذ على الشيخ الطيب التليلي و الشيخ محمد النقاش و الشيخ عبد الحميد جعيط  و الشيخ الطيب الصدام و الشيخ محمد ابن محمود و الشيخ محمد عز الدين ابن الخوجة والشيخ عمر العداسي و الشيخ عبد العزيز ابن الأمين, و كان له مزيد اختصاص  بشيخه محمد الكلبوسي, فكان دوما حريصا على الائتمام  به و الوقوف خلفه لأداء صلاة التراويح منذ أن تولى هذه المهمة بجامع الزيتونة (4), و قد جرت العادة في مواسم الاصطياف أن يصطحب هذا الشيخ الجليل و معه رفيقه الشيخ محمد بن إسماعيل الموحلي, و كانا يقطنان بضاحية أريانة, و كذلك شيخه محمد ابن محمود شيخ الحزابة الذي كان جارا له للذهاب جميعا إلى المقام الشاذلي حيث تقام فيه الليالي الأربعة عشر التي تتلى فيها الأحزاب و الوظائف المأثورة على السيد الإمام أبي الحسن علي الشاذلي.



                                                 صاحب الترجمة, تلميذ بجامع الزيتونة, 1356 \ 1937


 و لقد خالط مترجمنا من الشيوخ  و العلماء جمهرة كبيرة  تأدب بآدابهم و استفاد منهم و انتفع بعلمهم, و كثيرا ما كان يتوسع في ذكر أخبارهم. و أعظم اتصاله و أكبر ملازمته للعلامة في المعقول و المنقول و المقاصد و الأصول الشيخ محمد العزيز جعيط,  تتلمذ عليه  و أخذ عنه كتاب "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" للقاضي  ناصر الدين البيضاوي و كذلك في أصول الفقه كتاب "الاشراف على مسائل الخلاف" للقاضي عبد الوهاب و كتاب "الموافقات" للشاطبي  وكتاب "تنقيح الفصول" للقرافي, و كان الشيخ رحمه الله معجبا بمداخلات تلميذه كما حكى لي ذلك بنفسه مرارا, و حضي الشيخ محمد علي فيما بعد بمصاهرته, تزوج من ابنته الصغرى فريدة, و كان ذلك سنة 1948, فأضحى منذ ذلك الحبن ألصق الناس بشيخه و أحبهم اليه. و كانت له أيضا بحكم القرابة الأسرية علائق وطيدة بشيخ الجامع اللغوي الضليع  و المفسر الأصولي الامام الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور, و قد أجازه بإجازة تتصل بالإمام محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله عنه, حسب نص مكتوب وقّع عليه مؤرخ بسنة 1390 | 1970. و جمعت بينه وبين صهره العلامة البحر الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور عرى الاخلاص و المودة و كان الشيخ الفاضل يقربه زلفى و يأنس برفقته و يعزم عليه الحضور في كل المحافل و المناسبات.

و قد لازم منذ ريعان شبابه شيخ الأدباء و راوية الأدب الشيخ محمد العربي الكبادي ملازمة  دامت على مدار ثلاثة عقود, فكان يغشى مجالسه و منتدياته لا يتخلى عنها, و ينضمّ الى كوكبة من رفقاء الشيخ  و محبيه بمقهى "العهد الجديد" (المعروف عند العوام بمقهى "البانكة العريانة"), الواقع قبالة وزارة الدفاع بباب المنارة بالعاصمة حيث اعتاد الشيخ الكبادي الجلوس فيه, (وكان بالقرب من منزله الكائن بنهج المر وبزقاق أم هاني تحديدا). و قد اكتسب صاحب الترجمة, بفضل احتكاكه بهذه الأندية التي كان يرتادها طائفة من رجال الفكر و الصحافة و المسرح, ثقافة أدبية رفيعة, و حفظ عن شيخه جما غفيرا من القصائد و  النوادر و الطرائف الأدبية, و كان  الشيخ الكبادي شاعرا مطبوع الشعر له قدرة على توليد المعاني الشعرية, و كان خفيف الروح ميالا للممازحة و الدعابة,  فعندما انتقل الشيخ محمد علي إلى السكنى بضاحية الكرم و بعدت به المسافة و قل اتصاله بشيخه كان كلما رآه يبادره معاتبا له بقوله "لا أكرم الله الكرم !"   

     
               
     صفحة من كتاب "تلخيص الامام أبي الحسن القابسي لأحاديث الموطا" عليها تعاليق بخط الشيخ  ابن عاشور

التوظيف التدريسي

باشر الشيخ محمد علي التدريس بمدرسة ابن عبد الله الثانوية, و سرعان ما تم نقله إلى الفرع اليوسفي, و من جملة تلاميذه في تلك المرحلة الأولى الشيخ عبد الرؤوف القرجي  و المحامي الضليع أحمد بيرم الذي كان له بمثابة الابن البار, والشيخ عبد العزيز القيزاني الذي غادرنا منذ أيام تقبله الله بعفوه و إحسانه, و الشيخ الشريف أحمد قلنزة أمده الله بالصحة و العافية. و في مستهل السنة الدراسية 1372/ 1953 رفع شيخنا الى شرف التدريس في الجامع الأعظم, و كان مجلسه بالركن الجنوبي الشرقي حذو باب الشفاء, وظل حريصا على المشاركة في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى وهي أعلى رتبة في سلك التعليم آنذاك, و كان في صدد إعداد بحث معمق في مادة أصول الفقه يتعلق بدراسة  مستفيضة  لكتاب "تلخيص الامام أبي الحسن القابسي لأحاديث الموطأ" (رواية الامام أبي القاسم البرزلي), لا سيما و أن هذا الكتاب رغم شهرته لدى فقهاء المالكية كان في ذلك الوقت مفقودا تماما و المخطوطة الوحيدة منه موجودة بمكتبة والد المترجم له, كان قد استنسخها أحمد بن العربي زروق من مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بطيبة سنة 1308 \ 1890, و نظرا لأهمية هذه النسخة  فقد استعارها  شيخ الجامع الأعظم  الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور و أصلح ما بها من تحريف و أخطاء وعلق عليها بخطه بعض الشروح والملاحظات و أشار على الشيخ محمد علي أن يشرع في مراجعتها وأن يوثقها و يتناولها بالبحث و التنقيب, إلا أن مجرى الأحداث السياسية و التحولات التي طرأت غداة الاستقلال, كانت سببا في عرقلة جهود الشيخ و مطامحه, إذ تم إلغاء تلك المؤسسة الزيتونية العريقة التي دام إشعاعها على الصعيد المغاربي و العربي طيلة قرون متلاحقة,  و ذلك بموجب قرار اتخذته الحكومة بمساعي وزير التربية و التعليم تحت شعار مخطط إصلاح التعليم العمومي و توحيد برامجه, و كان الهدف من هذا المشروع تطبيق منهجية تعليمية حداثية تدعم نمط التعليم الجاري به في المدارس الفرنسية و تتماشى  مع أساليبه و قواعده (30 جوان 1958). وفي سياق التوجه العلماني الذي سارت على منواله دولة الاستقلال الفتية و التطورات التي طرأت على سائر النظم و القيم السائدة وقع القضاء على التعليم الزيتوني التقليدي باسم التقدميّة و نبذ الرجعية (5), وأوقف قبول التلاميذ بالجامع و فروعه نهائيا, و عرفت تلك الحقبة محاولات تهميش الزيتونيين و تغييبهم من الساحة السياسية و الثقافية, و إقصائهم من دواليب الدولة, فأجبر فريق منهم على التقاعد المبكر, و فيهم من لم يتحصل على جرايته من جراء حل الأوقاف, و منهم من التحق بالمحاكم الأهلية كحكام أو عدول أو موثقين, و كثيرا من اضطروا إلى قبول وظائف إدارية خسيسة أو الاشتغال في المهن اليدويّة (6), و هاجر عدد منهم إلى الشرق لإتمام اختصاصاتهم الجامعية, و منهم من التحق بالمدارس الحكومية  الثانوية يدرسون بها مادتي العربية و التربية الإسلامية (و كان هؤلاء في أغلب الأحيان أقدر من غيرهم من الأساتذة في ملكة اللسان العربي و أكثر إحاطة ودراية بقواعد اللغة  و أساليبها). وحينما ألحق التعليم الزيتوني بكليات الجامعة التونسية التي أحدثت في مارس 1961 على غرار الجامعات الفرنسية، انتخبت ثلة من مدرّسي الطبقة الأولى كأساتذة للتعليم العالي في العلوم الشرعية. (7)



مدرسة ابن عبد الله, 1372/ 1953, الشيخان محمد علي و الطاهر المبعوم محاطان بتلاميذ القسم الرابع ثانوي 





                       ابن شرف (الحي الزيتوني), 1958, القسم السادس ج, الشيخ محمد علي, الصف الأول على اليسار.



 و في هذه الظروف الحرجة التي تعرض إليها خريجو الزيتونة و الموقف السلبي من الحكومة تجاههم, اقترح المتفقد العام للتربية الاسلامية و الوطنية بوزارة التربية القومية الشيخ مصطفى كمال التارزي على الشيخ محمد علي, وكان صديقا له و زميله في الدراسة, الالتحاق بمعهد ابن شرف (الحي الزيتوني) فقضى فيه مدة وجيزة ثم تم تعيينه رسميا بالمعهد الثانوي للفتيات بنهج الباشا كأستاذ في مادتي التاريخ و التفكير الاسلامي و في مادة  التربية الاسلامية و المدنية. و اتخذ منذ ذلك الحين البدلة الإفرنجية إلا أنه بقي خارج مكان عمله محافظا على اللباس العربي من العمامة و الجبة  و البرنس (منسجما في ذلك مع قول بهيس الفزاري:
                                       (ألبس لكل حالة لبوسها * إما نعيمها و إما بوسها). 

و قد كانت مديرة المعهد آنذاك الآنسة زبيدة عميرة   تعامله  بفائق التبجيل و الاحترام ولا تبرم أمرا إلا بعد استشارته, و من بين زملائه في هذا المعهد الشيخ عبد الرزاق المملوك و قد جمعت بينهما الصداقة منذ الصغر.

و أما دروسه فقد تميزت بالإحاطة الواسعة والمعرفة الدقيقة لشتى نواحي الحضارة العربية الاسلامية, التاريخية منها و العقائدية والأدبية والاجتماعية, مع إبراز الفوارق و تباين الاتجاهات بينها و بين مختلف التيارات الفكرية و الفلسفية التي سادت العالم الغربي, اعتمادا على أقوال المؤرخين العرب , القدامى منهم  و المعاصرين من ناحية, و ما يطرحه المستشرقون من ناحية أخرى أمثال فليب حتّي و هنري لامانس و كارل بروكلمان و وليم مرساي و لويس ماسنيون و غيرهم من الذين وجه إليهم سهام النقد مبينا مبالغاتهم و افتراءاتهم. فهذه الثقافة المزدوجة التي اكتسبها مترجمنا بمطالعة مختلف المصادر و المراجع باللغتين العربية  و الفرنسية, قد أفضت على حصص الدروس التي كان يلقيها بكل طلاقة بلسان عربي فصيح, أكثر حيوية و أكثر ثراء  وأبلغ إفادة, و كانت في الوقت نفسه أنجع وسيلة و أمضى سلاح يذود به عن بيضة الدين و يبرز ما في الاسلام من المحاسن و الفضائل, و أنه المنهاج المتكامل الذي لا نقص فيه و لا عوج.

 كان محل إعجاب و إقبال من قبل التلميذات بصفة عامة إذ كن ينتظرن حصة الدرس بفارغ الصبر ليعرضن على أستاذهن المبجّل ما طرق آذانهن من الشبهات و من الاتهامات التي تصوب نحو الدين و ما يروّج آنذاك من التصورات المسبقة الداعية  للتشكيك و المغالطة,  فيجيب عنها بكل وضوح و إقناع ويزيح عنها كل استشكال و التباس و يدعمها بالحجة و البرهان. ولا يسعني المجال أن أذكر ما كان يحدث بينه وبين بعض زملائه  من تصادمات ناتجة عن تعارض في الآراء وتباين في المواقف, في ظرف زمني كان فيه شيء من التنافس و التّباري بين الزيتونيين و المدرسيين قد يبلغ أحيانا مبلغ المحادّة و المنازعة, و لكلّ وجهة هو مولّيها. و من بين التلميذات البارزات اللائي يجدر ذكرهن الدكتورة هند ابنة فضيلة الشيخ أحمد شلبي التي بقيت على اتصال دائم بأستاذها, وهي مختصة في الدراسات القرآنية وقد تخرجت مع الدفعة الأولى من طلبة الكلية الزيتونية.



             مدرسة نهج الباشا, حفل نهاية السنة الدراسية جوان 1973, المديرة زبيدة عميرة تتوسط الشيخ محمد علي                                                                               و زميله الشيخ عبد الرزاق المملوك

الحث على تعلم العربية و صونها من الاختلاط بالعجمة

و لا يفوتني أن أعرج على ما كان يدعو إليه أثناء مداخلاته من الالتزام باستعمال اللغة العربية الفصحى و تعميمها في كل المجالات الادارية و الثقافية و التعليمية و الاعلامية, باعتبار اللغة من أعظم  المكاسب  التي تتميز بها الأمم, فهي مقوّم أساسي من مقوّمات الهويّة, و الله تعالى قد اختار اللسان العربي لكتابه المجيد, فبمقتضى ذلك كان يرى أن من الواجب المحتم أن نوجه العناية لضمان سلامة لغة الضاد و إبقائها على رونقها و صفائها, وأن نبذل قصارى الجهد لتنقيتها من الهجنة و الرثاثة و الرذالة التي يقع فيها كثير من الناس, هؤلاء الذين اعتادوا عند التخاطب إقحام ألفاظ  و عبارات أجنبية في حين أنها موجودة في اللغة العربية, ناهيك من أن ظاهرة ازدواجية اللغة و مزج العربية بالفرنسية التي استفحلت في مجتمعنا هي من آفات الاستعمار و مخلفاته السلبية التي يجب علينا  تفاديها (8). كان كلما نطق أحد من أبنائه أو تلاميذه في سياق حديثه بكلمة فرنسية يجبره فورا على البحث عما يرادفها باللغة العربية، قال له بعض الحاضرين يوما "إن "البنان" قد غلا سعره في السوق", فأجابه "يا هذا و هل أطراف الأصابع أصبحت تباع في الأسواق؟ هلا قلت إنّ الموز قد غلا.." و استشهد ببيتين شهيرين لابن جبير الشاطبي قالهما لمن أهدى له موزا :

                                            يا مهدي الموز تبقى     و ميمه  لك   فاء
                                            و زايه  عن    قريب     لمن  يناويك  تاء

 و في رأيه أيضا أن من دواعي الاستكانة و عدم الانصاف أن يكون للغة  الفرنسية حظا أوفر في مدارسنا و في سائر مناحي حياتنا على حساب لغتنا القومية (9), و لا يعني ذلك عدم الإقبال على اللغات الأجنبية, فهو أمر ضروري يتيح لنا الاستفادة من تجارب الآخرين و التطلع إلى علومهم  ومستحدثاتهم  وإبداعاتهم,  لكن من المفروض أن تكون الغاية من تعلم الفرنسية على التحديد استخدامها في وضع المصطلحات و تعريب المفردات و ترجمة الكتب و نقل ما يستجد من المعلومات, مع الحفاظ على صيغ اللغة العربية و خصائصها الذاتية  من الاشتقاق و التركيب والقلب و الترادف, فيكون الغرض الأساسي من حذق اللغات الأجنبية أن تظل أداة لإثراء لغتنا و التوسيع في احتوائها العلمي و المعرفي, فهي لغة قادرة على أن تستوعب الدخيل و المعرب و أن تخضعهما لأوزانها.  وبناء على هذا  كان واثق الرأي من أن المناهج التعليمية في مدارسنا الدولية في حاجة ملحة لأن تراجع جذريا و أن تعاد صيغها بصفة شاملة و ذلك بأن يوجه التعليم الأساسي و الابتدائي  إلى  العناية حصريا باللغة العربية و عدم مزاحمتها بلغة أخرى مع ضبط قواعدها و إجادتها و التمكن منها, و في اقتناعه أن لا يبدأ تعلم اللغات الأجنبية إلا في المرحلة الثانوية وفي ما يليها من مراحل التعليم الجامعي و الأكاديمي حيث تشرع أثناء ذلك عملية الإلمام بالمصطلحات و التعمق في مدلولاتها و استيعاب المفاهيم المتعلقة بشتى الاختصاصات العلمية و المجالات التقنية و الفنية, مما يجعل اللغة العربية المعاصرة تستجيب لحاجات المجتمع المتغيرة, فتكون بذلك لغة تواصل و تعامل, مواكبة للحداثة و متطلباتها, متفتحة على سائر الحضارات و الثقافات, و قد أضحت اليوم في خضم العولمة التي نعيشها عنوانا للهوية و علامة على تأكيد الذات و وقاية من ذوبان الشخصية و رفضا للتبعية, فقضية الحفاظ على لغتنا الأم كانت في نظره من القضايا الجوهرية, و لا تزال إلى اليوم قضية مصيرية و ضرورة قومية, و من المعلوم أن كثيرا من المفكرين عبر مختلف العصور قد عالجوها واهتموا بها , خصوصا عبد الرحمان ابن خلدون الذي تعرض في مقدمته الى مفهوم الملكة اللغوية و ارتباطها بالمسائل التعليمية. (10)

        
                        
 أعضاء المؤتمر الزيتوني الثالث المنعقد سنة 1375/1955 بالحي الزيتوني, على اليسار في الصف الثاني الشيخ محمد علي               الأصرم (مقرر عام في لجنة المقترحات العامة) وبجانبه الشيخ كمال الدين جعيط (عضو لجنة التعليم القومي)


اهتماماته العلمية

 كان صاحب الترجمة يمتلك مكتبة خاصة يقضي فيها معظم أوقاته, حيث يجد فيها السكينة و صفاء الفكر, تحتوي على طرائف ثمينة من المخطوطات المنمقة و الكتب النادرة التي ورثها عن أبيه, منظمة بطريقة ترتيبية حسب المواد, و قد قام بفهرستها و ترقيمها السيد الشاذلي معالي عندما كان معلما بمدرسة خير الدين و بالمدرسة العرفانية (التابعة للجمعية الخيرية الإسلامية), و أثراها الشيخ محمد علي فيما بعد بما أضاف لها من المؤلفات والموسوعات, و اشترك بانتظام في عدد من المجلات الفرنسية و الدوريات المختصة في مختلف العلوم الإنسانية و التطبيقية (11).  و من الكتب المفضلة التي كان دوما مواظبا على مراجعتها "زاد المعاد في هدي خير العباد" للحافظ ابن قيم الجوزية و كان مشغوفا بكتاب"الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض اليحصبي, ينقل عنه الكثير, و كلا الكتابين يتضمن فصولا في هدي النبي و ذكر شمائله و جميع أحواله. و كثيرا ما كان يردد قول أبي الحسن الجرجاني: 
                                ما تطعمت لذة العيش حتى     صرت في وحدتي لكتبي جليسا
و يضاهيه قول المتنبي:
                              أعز مكان في الدنى سرج سابح    و خير جليس في الأنام كتاب

قال الجاحظ مفصحا عن تعلقه و إقباله على مطالعة الكتب: "...إذا استحسنت كتابا و استجدته و رجوت فائدته لم أوثر عليه عوضا و لم أبلغ به بدلا فلا أزال أنظر فيه ساعة كم بقي من ورقة مخافة استنفاده و انقطاع المادة من قبله...".(12)

و كان إلى جانب مطالعة الكتب يخصص وقتا لتجليد المخطوطات, يغلفها بالجلد الطبيعي الفاخر لحمايتها من التمزق و الاتلاف, و لديه من الآلات الصالحة لهذا الفن الذي يتطلب حنكة و مهارة.

 الرياضة أخلاق أو لا تكون

 و الى جانب مشاغله العلمية فقد كان يمارس منذ صباه أنواعا من الألعاب الرياضية  كرفع الأثقال و القفز العالي و تسلق الحبال و السباحة و التجديف,  و كان يجيد ركوب الخيل, و يعتبر أن للرياضة البدنية ارتباطا وثيقا بالقيم النبيلة فهي في المقام الأول تهذيب للنفس (13), و تذكية للهمم و تقوية للعزائم و تدريب لمن يتعاطاها على التجلد و حسن الاحتمال و الانضباط. و كان عضوا نشيطا بالجمعية الرياضية "الناصرية" الكائنة بحيّ الحفصيّة رفقة صديقه المرحوم العادل الباهي (14), و هوايته المفضلة الغياصة في البحار , فكان يذهب أيام العطل مع ابن أخيه و صديقه الحميم عزّوز (عبد العزيز) في رحلة ممتعة  إلى بعض الشطآن الساحلية و يعدّان لوازم صيد الحيتان, فيرتديان الغطّاسة وهي الثوب الخاص للغوص ويستعملان البندقية ذات الرمح.

آراؤه و مواقفه

 في زمن أوشك أن ينعدم فيه هداة الأمة و حماة الملة, و غاب فيه أهل النصح و الارشاد, و لم يبق على قيد الحياة من أصحاب العمائم البيضاء إلا القليل ممن تقدم بهم السن, كان الشيخ محمد علي من بين هؤلاء الأفذاذ الذين انبروا للدفاع عن حوزة الدين و الرد على المناوئين, و لقد اتخذ تجاه كثير من القضايا التي أثارت البلبلة و الارباك في عقول الناس,  مواقف ثابتة و أجوبة شافية تحسم كل منازعة أو جدال و تصدم وجه كل معاند أو مكابر, فكان يصدع بالحق ويصرح بآرائه علانية كلما استفتي في مسألة من المسائل فيظهر الحكم فيها و إن خالفت أهواء الناس, فإن كانت مناقضة للصواب يفندها و يدحض حججها و يبين نقط ضعفها وما تحمله من تناقض و بطلان. و كان على وتيرة واحدة مع ثلّة من المشايخ الذين عاصروه ممن حفظت لهم الأحداث مواقف جريئة, من بينها اعتراضه على ما جاء في الخطاب الذي وجهه رئيس الدولة (فبراير 1960) يدعو فيه إلى إعفاء العمال و الكادحين و الأجناد من أداء فريضة الصيام, بحجة أن الصوم يجلب الكسل و الخمول و يأدي كما صرح به إلى عرقلة الانتاجية و يعوق عن توفير الثروة الاقتصادية و يكون حائلا دون مقاومة التخلف (15), و مما يذكر أيضا صموده ضد القانون الذي أجري به العمل فيما يخص تحديد شهر رمضان بتقدير الحساب الفلكي لا بمجرد رؤية الهلال, إذ يجدر الاستئناس بالحساب لكنه لا يقوم مقام الرؤية وفقا للقاعدة الشرعية, لا سيما و أن المترجم له كان مكلفا من قبل دار الافتاء آنذاك, معيّة فضيلة الشيخ مصطفى القمودي, برصد هلال رمضان, و قد كان له إلمام بعلم الفلك و دراية بمواقع البروج و مدار النجوم (16). 
لقد ظل شيخنا معلنا عن آرائه واثقا بها, مناهضا كغيره من رجال الزيتونة لما تقوم به الحكومة في مشروعها الاصلاحي من تجرئ على المقدسات و خوض في المسائل الدينية و ذلك بتوخي طريق "الاجتهاد" و إعمال الرأي الذي يهدف إلى تحوير الأحكام الشرعية و تطويعها و إخضاعها وفقا لما تمليه مقتضيات العصر و مستلزماته من غير أي ارتباط بالقيود الشرعية, و في هذا الصدد فقد ألغيت الأوقاف التي كانت مستقلة عن الدولة والتي كانت تمول المؤسسات الدينية و المحاكم الشرعية, و أصدر قانون سنة 1960 في إلغلاء التقويم الهجري, و في السنة الموالية وقع تأميم أكثر من مائتي مسجد و ألحقت عشرات الجوامع بالأملاك العامة و الخاصة, كل هذه الاجراءات التي اتخذها رئيس الدولة قد أحدثت علاقة توتر و تصادم بينه و بين فقهاء الزيتونة, إضافة إلى عدة قضايا أخرى كقضية المضايقة على الحجاج و إبطال القيام بسنة الاضحى (17), و الدعوة إلى تخلي المرأة عن الحجاب و إباحة السفور, و منع تعدد الزوجات, ومبادرة الإقرار بالمساواة في الإرث بين الرجل و المرأة. وقد أدت هذه النوازل في آخر الأمرإلى استصحاب الشيخ محمد علي إلى قصر العدالة حيث أجريت عليه محاكمة صورية سرعان ما انتهت بالإفراج عنه.

رحلاته إلى المشرق

 لقد تيسر لشيخنا الذهاب إلى الحج و العمرة عديد المرات, و كان يستيمن بالجلوس الساعات الطوال بركن الصفّة الكائن في المسجد النبوي حيث كان يتجمع فقراء المهاجرين و الذي يعرف اليوم بدكة الباشوات. وقد أدى حجته الأولى عام 1953 رفقة أخيه السيد محمد البشير, وعند الإياب قضيا معا برهة من الزمن  في بلاد مصر و أقاما في القاهرة في حي قريب من جامعة الأزهر, و أثناء ذلك توفي والدهما بتونس, غمره الله بعفوه و إحسانه, و تعذر عليهما حضورالجنازة, و قد أشار الشاعر الفذ الأصيل القاضي الأستاذ محمد الهادي المدني في مرثيته إلى غياب الأخوين بقوله: 
                                    و لم يرتقب أوبة الإبني    ن فكان له الفوز و المغنم

و وفد مترجمنا على تركيا و زار طوب قابو ساراي و اطلع على الذخائر و الآثار الاسلامية هناك, و زار ضريح السلطان الغازي محمد فاتح القسطنطينية  الذي يقع حذو المسجد الذي بناه هذا السلطان, و قام  برحلة إلى سوريا  و وقف على قبر الصحابي الجليل بلال بن رباح الحبشي الكائن بمقبرة الباب الصغير بدمشق. و بعد رجوعه ببضعة أشهر رزئ بموت زوجه ابنة فضيلة الشيخ محمد العزيز جعيط  وأم أولاده, و هي في الثالث و الخمسين من عمرها, و كانت بارة به و لم يتزوج بعدها.

و في شهر رمضان المعظم من سنة 1399/أغسطس 1979, قام بزيارة إلى الكويت بدعوة من وزارة الأوقاف  والشؤون الدينية الكويتية, في إطار تبادل الوفود مع البلدان الشقيقة, و ألقى سلسلة من المحاضرات بثّت هناك عن طريق التلفاز و المذياع (18).



                                     القاهرة, 1953. الشيخ محمد علي رفقة أخية السيد محمد البشير الأصرم

النادي العلمي

 أسس شيخنا مع زمرة مباركة من المشايخ الفضلاء و الأساتذة الأجلاء ناديا علميا ينعقد عشايا أيام الجمعة, يحضره كلّ من ألشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الاسلامي سابقا,  و الشيخ كمال الدين جعيط مفتي الجمهورية سابقا, والحكيم الدكتور التيجاني هدام سفير الجزائر بتونس حينذاك و عضو في مجمع الفقه الاسلامي أيضا (19), و الشيخ المنصف جعيط, والشيخ محمد فارح, و الشيخ محمود المسعودي, و الشيخ محمد ابن عاشور, و الشيخ عبد العزيز القيزاني (20),  والأستاذ الراضي كشك خبير بمجمع الفقه الاسلامي, و الحاكم الطاهر ابن عثمان, و المصطفين الغزالي و المقدّم و كلاهما أستاذ رياضيات,  و ينضم إلى هذا الجمع من حين لآخر بعض الزوارالفضلاء مثل الشيخ المختار السلامي مفتي الجمهورية سابقا, و الشيخ المنذر المبزع إمام خطيب بالجامع الأحمدي بالمرسى, والأستاذ الشيخ محمد المختار النيفر, عضو في المجلس الإسلامي الأعلى و غيرهم, و معظم هؤلاء القوم قد رحلوا إلى دار البقاء تاركين بفقدهم فراغا كبيرا, و كانت تجري في هذا النادي مذاكرات علمية و حوارات تطرح فيها المسائل الأصولية و ما يفرضه الوضع الراهن من ترجيحات و اجتهادات  في بعض الأحكام الفقهية, و يتولى الحاضرون دراسة كتاب "التحرير و التنوير من التفسير" لسماحة الإمام الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور, تستوقفهم على وجه الخصوص المحسّنات البديعية و المجازات اللغوية و الشواهد البلاغية التي تتضمنها كل آية ترد من الآيات القرآنية, و انتهى بهم المطاف عند قوله تعالى * ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا من سورة الكهف (آخر الجزء 15), و لم يتواصل هذا النادي بعد وفاة الشيخ محمد علي و قد تمادى منذ نشأته بلا انقطاع زهاء ثلاثة عقود من الزمن.



                                                     

                                                              جربة, 1958




    رحلة إلى جزيرة جربة, 1958, الشيخ كمال الدين جعيط يتوسط الشيخين المنصف جعيط و الشيخ محمد علي




الشيخ محمد علي و صهره الشيخ كمال الدين


الخطابة وإقامة الدروس بجامع الكرم

 استمر صاحب الترجمة مشتغلا في معهد نهج الباشا إلى أن طلب سنة 1394 / 1975 إحالته على التقاعد  المبكر, وتولى بعد حين الامامة و الخطابة بجامع علي بن أبي طالب بضاحية الكرم بطلب من الشيخ الناصر الباهي الذي تخلى عن هذه المهمة لسبب مرض مزمن ألم به, و كان يلقي الخطبة من إنشائه و لها وقع على قلوب السامعين, كما اضطلع بالقيام بدروس في تفسير القرآن الكريم و في الفقه و العقيدة لعموم المسلمين بنفس الجامع, و ذلك أيام السبت ما بين العشاءين و من الغد إثر صلاة العصر, و قد بدأت هذه الدروس متقطعة منذ الستينات ثم تواصلت منتظمة طوال السبعينات إلى مطلع التسعينات (21), و سرعان ما عرفت إقبالا متزايدا, و غصت رحاب المسجد بحشود من الشباب المتحمس يأتون من كل حدب وصوب, و كثرت الحركة في الانهج و الشوارع المكتظة بالسيارات في كل مكان, إلا أن السلطة المحلية قد هالها الأمر فاتخذت قرارا حاسما في منع الشيخ من مزاولة دروسه, و لكن ذلك لم يثن عزم تلاميذه و محبيه عن زيارته في بيته فكانوا يأتونه فرادى و جماعات, مما جعل أعوان السلطة يتحدّون كل من قصد ناحية منزل الشيخ و اعتقلوا أفرادا منهم.

المشاركة في الانتخابات التشريعية

و في الحملة الانتخابية التشريعية التي انتظمت في الثاني من أبريل سنة 1989, والتي واكبت الانتخابات الراسية, ترأس الشيخ محمد علي القائمة المستقلة ذات اللون البنفسجي لدائرة تونس 2, و كان رئيس قائمة تونس 1  في المقابل صديقه فضيلة الشيخ محمد الأخوة (22) , و من بين الأعضاء المشاركين الذين ساندوا الشيخ محمد علي القاضي الأستاذ أحمد ابن سدرين و الأستاذ الراضي كشك و الدكتورمير التسولي و الاستاذ ياسين ابن الخوجة و الدكتور محمود بسيّس. و قد وقعت بعض التجاوزات أثناء عملية الفرز, و انتهت الانتخابات بنتائج اتهمت من بعض الأطراف السياسية بأنها مزورة ومزيفة و نعتها أحد المحللين بأنها "أكبر خداع في تاريخنا", و ساد إثر هذه الحملة جو من التعسف و الاضطهاد من طرف النظام القائم, و حاولت اجهزة المخابرات التضييق على الشيخ محمد علي و تم حجز جواز سفره و قد كان متهيأ  لقضاء عمرة, فاضطر إلى ملازمة بيته و أشغل وقته بالمذاكرة و معاشرة الكتب, و من طبعه أنه كان يؤثر الانفراد بنفسه و يكره التظاهر للخطط و لم يقبل منصبا من المناصب المرموقة التي طالما اقترحت عليه, و كان محافظا على واجبات الدين, شديد الحرص على أداء الصلاة في مواقيتها. و في خلوته أقبلت عليه الوفود من طلاب العلم و أصحاب الحاجات يجدون عنده موفور الاعانة و العناية, فقد كان سخي اليد لا يبخل بمديد الاسعاف للمعوزين منهم, و كان يجيب للمكالمات الهاتفية التي ترد عليه صباح مساء و بدون انقطاع فيبين لكل من يتصلون به و يستفتونه تفاصيل المسائل الفقهية و آراء علماء المذاهب فيها, و قد عراه المرض فكان حليف الفراش إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى عصر آخر يوم من رمضان المعظم سنة 1426 \ غرة نوفمبر 2005, و شيع موكب جنازته من الغد يوم عيد الفطر في مشهد حافل, و صلى عليه صهره و رفيق دربه مفتي الجمهورية الشيخ كمال الدين جعيط, و أبّنه صديقه الحميم الشيخ الراضي كشك و كذلك جمع من أحبائه و تلاميذه الخلصاء, أذكر من بينهم صديقنا الوفي أحمد الدولاتلي, و دفن في تربة آبائه بالجلاز, وتأسف الناس عليه وأثنوا عليه ثناء جميلا عطرا, رحم الله روحه و جعل جهوده في ميزان حسناته  *يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم*. (23)



    عمرة في شعبان 1415/جانفي 1995: في الأعلى جبل الرحمة, في الطرف الأيسر الشيخ محمد علي, في الوسط القاضي الشيخ             محمد المختار النيفر, و في الطرف الأيمن السيد الهادي المحرزي (حفيد الشيخ المفتي محمد الصادق المحرزي و أمه ابنة                                                                     الشيخ سيدي علي ابن الخوجة)



(1)  عندما حل الشيخ عبد العزيز الباوندي ببلدة بني خيار, أثناء جولاته لنشر الإملاءات القرآنية في شتى أنحاء البلاد, و كان ذلك في فترة ما بين الحربين, قال لمن استقبله من أهلها, و كان الكثير منهم يتقن حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب: "..إن الله قد ميزكم  بحفظ كتابه المجيد, فما عسى أن آتيكم به إلا كمن يأتي بتمرة يقدمها إلى أهل الجريد..". (و قد تخرج الشيخ الباوندي من جامعة الأزهر و قضى مدة في الحجاز, ثم عند رجوعه إلى تونس كان معاونا على التدريس بجامع الزيتونة).

(2)   الشيخ محمد المنستيري (1901-1962) مدرس من الطبقة الأولى, كان عضوا نشيطا بجمعية المدرسين الزيتونيين وعضوا بالجمعية المشرفة على تأسيس الحي الزيتوني  (1942), و قد شارك في اللجنة التي كونها الشيخ محمد العزيز جعيط  وزير العدلية آنذاك للنظر في الأحكام الشرعية المستمدة من الفقه المالكي و الحنفي, و المسودة التي دونها أعضاء هذه اللجنة بإشراف الشيخ جعيط كانت المصدر الرئيسي لمجلة الأحوال الشخصية. 
       (كانت بين الشيخ المستيري و الشاعر الفذ محمد الهادي المدني علاقة وطيدة و كانت بينهما مقارضات أدبية و مراسلات بما يعثران علية من روائع الادب و اسرار البلاغة و كان الشيخ محمد علي يحضر باستمرار مجالسهما (أنظر مقدمة "ديوان المدني" ج 1, الدار التوسية للنشر, 1968. ص 18). 

(3) لكل تلميذ "دفتر الشهادات" يشتمل على اسمه و على تواقيع مشايخه على حضوره في دروسهم و على درجته من النجابة, مع ذكر عناوين الكتب التي تدرس في كل حصة, و الامتحانات التي تجرى عليه, و الشهادات التي يتحصل عليها, و استمر العمل بهذا الدفتر إلى أن وقع انتزاعه عام 1356/1937 من أيدي التلاميذ و بقي يعمّر بالإدارة مدة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور .

(4)  الشيخ محمد الكلبوسي (1901-1982) : درس علم القراءات بجامع الزيتونة و من مشائخ قارئي القرآن بالمقام الشاذلي,  عين سنة 1961 إماما خطيبا بجامع "سبحان الله" بالعاصمة, ثم تولى أيضا في السنة الموالية إمامة التراويح بالجامع الأعظم خلفا للشيخ عبد الكبير الشريف, و بقي في هتين المهمتين إلى بداية السبعينات حتى أقعده المرض و خلفه في إمامة جامع سبحان الله صهره الشيخ حسن الورغي.  كان الشيخ الكلبوسي يحضرمجلس أستاذه الشيخ محمد الزغواني بالمغارة الشاذلية عشايا السبت حيث يوزع على جمع من القراء الفضلاء أجزاء كتاب الشفا للقاضي عياض, (وقد درّس الشيخ الزغواني هذا الكتاب المبارك بجامع الحجامين لمدة تربو على الخمسين عاما).

(5)   في خضم الحوادث التي أدت إلى إلغاء التعليم الزيتوني أفرغت خزائن كتب الجامع و وزعت بين دار الكتب الوطنية بتونس  و كلية الآداب و الجامعة الزيتونة, وتلاشت الوثائق و الملفات والسجلات الخاصة بإدارة الجامع و أتى عليها الضياع و الإهمال, وتفرقت شذر مذر, و نقل جزء منها إلى وزارة التربية, و البعض منها يوجد بالأرشيف الوطني ضمن (سلسلة د) التي تخص الشؤون الدينية, ومن جانب آخرهناك ذخائر من الوثائق الثمينة  و من المؤلفات الخطية التي لم تنشر بعد في مكتبات بعض الخواص, فمن الضروري الحرص على تكوين أرشيف يجمع فيه  ما يتيسر العثور عليه من هذه الوثائق عسى أن يقع تعيين لجنة من الأخصائيين يقومون بترتيبها و تصنيفها بطريقة منهجية, ثم نشرها عبر قاعدة البيانات الحاسوبية و معالجة المعلومات ليعم النفع بها و يستفيد منها الباحثون. و من الملاحظ أن من بين الوثائق الهامة التي يجدر جمعها هناك كمية هائلة من الصور الفتوغرافية التي تسجل الندوات و اللقاءات و المؤتمرات و مجالس العلماء و سائر الأحداث التي تهم تاريخ الزيتونة و التي يمكن في حد ذاتها أن تسعف الباحث و أن تمده بمعلومات لا تفي بها الوثائق المكتوبة.

(6)   في بداية الاستقلال أسندت أهم الوظائف الإدارية التي كانت بيد المعمرين الفرنسيين إلى نخبة من التونسيين من الذين يجيدون اللغة الفرنسية إذ كانت هي اللغة السائدة في سائر دواليب الدولة, ولم يكن خريجو الزيتونة بصفة عامة مؤهلين لهذه المناصب نظرا لتكوينهم تكوينا عربيا محضا, فكان ذلك عاملا من العوامل التي ساهمت في نفيهم و إقصائهم.

(7)   في سنة  1970, و بالرغم من ممانعة بعض أعضاء الحكومة, سعى وزير التربية القومية آنذاك السيّد  الشاذلي العياري في إعداد نصوص قانونية عرضها عل مجلس الأمة منحت لعدد من المدرسين الزيتونيين الحصول على التأهيل الجامعي و بذلك تم إلحاقهم بالتعليم العالي. 
      (ملحق : أنظر حول شهادة الأستاذ الشادلي العياري عن أحوال الزيتونيين جريدة "الشروق"  (2010/03/26) ج مصفى نصره, بقلم الأستاذ حسن الذوادي, عوسجة. ولاية بنزرت).


(8)  منذ انتصاب الحماية, عمل لويس ماشويال مدير "إدارة التعليم العمومي" على تطبيق سياسة تهدف إلى فرنسة قطاع التعليم. و من التوصيات التي نص عليها المؤتمر الأفخارستي الذي انعقد في تونس سنة 1930 أن تستعمل اللهجة المحلية العامية بديلا عن العربية الفصحى لإقصاء  الشعب عن جذوره. و قد أصبحت اللغة الفرنسية  اللغة الرسمية المتداولة في المؤسسات الإدارية و التعليمية, حتى أن التلميذ التونسي في إطار هذا النظام التعليمي الذي فرضته الحماية بقدر ما كان يتلقى معلومات عن تاريخ فرنسا و آدابها كان يجهل تاريخ وطنه و ثقافة أجداده. و قد لعبت النخبة الزيتونية المتمسكة بجذورها العربية و الاسلامية دورا رياديا طوال الفترة الاستعمارية في التصدي لسياسة التغريب و طمس الهوية.

(9)   حكى صاحب الترجمة أن الشيخ محمد العربي الكبادي كان فخورا بعروبته, مدافعا عن مكانة لغة الضاد في ظرف حاول فيه المستعمرون طمسها, من ذلك أنه كان يقول في اعتزاز "انا عربي و اسمي (العربي)", و كان ملتزما بالتقويم الهجري منوها بأنه من موالبد شهر المحرم عام 1298. 
        اعترضه يوما أحد تلاميذه ممن يحضرون مجالسه و قصده لبعلمه بأن صديقه فلانا, و ذكر اسمه, قد توفي فجر ذلك اليوم, فتحسر الشيخ عليه و ترحم, لكن الذي أعلمه بالخبر تمادى في الحديث, وطال وقوف الشيخ تحت لفح الشمس, و في يومها  رثى صديقه المتوفى يقصيدة وصادفت كلمة "شمس" بحساب الجمل تاريخ الوفاة قائلا : 
                                                   وهو في العلياء بدر * وهو في التاريخ شمس    

(10)   لقد ترك الشيخ محمد علي مجموعة من الكتابات و من المقالات التي ألقاها في بعض المحاضرات و التي لا تزال بين دفتي السجلات و لم تنشر, منها مقالة مطولة يعالج فيها محتوى البرامج المتبعة في المدارس الدولية و يقترح فيها الوسائل التي يمكن اتخاذها حول مسألة تعريب مواد التعليم و تعزيز اللغة العربية.

(11) من المجلات التي كان الشيخ يتلقاها تباعا و يطلع على فصولها:« Historia" « Science & Vie", "L'Information géographique", "Méditerranée","Atlas","Revue de l'Art »..., و من بين ما اقتنى لأبنائه كامل أعداد موسوعة "Tout l'Univers" التي كانت تصدر أسبوعيا بداية من عام 1961 و التي تتناول بمنهجية بيداغوجية و مبسطة شتى المواضيع المتعلقة بالعلوم الصحيحة و العلوم الإنسانية و الفنون.

(12) أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ "المحاسن و الأضداد", مطبعة الجمالية, مصر.

(13)  إن ممارسة الرياضة البدنية في مدارس التعليم, كما يقره علماء البيداغوجيا, تعود بالنفع على التلميذ في مسيرته التعليمية, فهي تفوم جسمه و تنمي مواهبه و تدفعه نحو التفوق الدراسي و الارتقاء في مستوى التحصيل العلمي. 
      و من تعاليم الاسلام حث الشباب على تعاطي الألعاب الرياضية التي تنعش من يمارسها و تكسبه ثقة في النفس, فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال مر رسول الله صلى الله عليه و سلم على نفر من أسلم ينتضلون (أي يتبارون في الرمي) فقال النبي صلى الله عليه و سلم "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا", و كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أهل الشام أن "علموا أولادكم السباحة و الرماية و الفروسية", و قد ذكر المؤرخون أن بعض المدن الاسلامية كانت تحتوي على ساحات رياضية لترفيه الشباب و طلاب العلم.
      و يجدر في هذا المقام ذكر أحد علماء الزيتونة, الشيخ محمد ابن ملوكة (ت 1860), الذي "كان يسعى في مصالح تلاميذه و تنفيس الكربات عنهم", قال صاحب "الاتحاف" في ترجمة الشيخ ابن ملوكة "انه كان يروض أبدان (تلاميذه) خشية السآمة بالمصارعة و الرماية و تلقف الكرة, و نحو ذلك مما يحسن بالرجال, و يدرب على إقحام الأوجال (...) و ربما باشر (مع تلاميذه) الرماية و كان فيها آية."
       و كان الشيخ محمد صالح النيفر, رحمه الله رحمة واسعة (ت 1991), من المشائخ المحببين للشيخ محمد علي, فكثيرا ما كان يشجعه على المواظبة على تعاطي الرياضة, وهو الذي أسس منذ عام 1930 "جمعية النشء الرياضي" التي اهتمت بنشر الرياضة بالوسط الزيتوني.
      و من بين الزيتونيين أيضا من مارس في شبابه رياضة كرة القدم وهو الشاعر المتميز الشيخ جلال الدين النقاش (1910-1998) الذي كان لاعبا في فريق النادي الإفريقي..

(14)  تأسست الجمعية الرياضية الناصرية (نسبة لمحمد الناصر باي) سنة 1907,  و قد اتخذ مصنع إنشاء المدافع الذي أاحدثه حمودة باشا سنة 1802 الكائن بحي الحفصية عدد 7 مقرا لها عندما تولى المرحوم حمودة بوسن (1881-1954) أمبن مال و مديرا على هذه الجمعية  سنة 1941. و قد كان يعمل على تشجيع الأدب و النهوض بالرياضة بمنح الجوائز و الدعم المادي. و من أبرز من تولى رئاسة الناصرية الطيب الأصرم الذي ساهم في تألق الجمعية و الصادق العازق و عبد المجيد ابن عمر و الحبيب الحضري.

(15) رفض الشيخ محمد العزيز جعيط, مفتي الديار التونسية, الاستجابة لما طلب منه من تقديم فتوى يبيح فيها الافطار في رمضان, و من جراء هذا الرفض أقيل من منصب الافتاء الذي بقي شاغرا لمدة عامين, ثم تولاه الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور من سنة 1962 إلى وفاته سنة 1970.
(16) كان لصاحب الترجمة شغف بعلم الفلك, يتطلع على الأجرام العلوية و أحوالها, و كان لديه راصدة فلكية يرصد بها صفحة السماء في الليالي الصافية, و يتتبع بها الكوكبات و المجموعات النجمية و يرقب اتجاهاتها و اختلاف مساراتها و حركة دوراتها مع الفصول, ثم يراجع كتب الفلك ليتفحص فيها خرائط الكواكب و النجوم و يحدد أبراجها و مواقعها و طرائقها (و لقد أثنى الله تعالى في كتابه المجيد على العاقلين المتأملين في ملكوته و ما يحتوي عليه من تنظيم دقيق و تناسب عجيب يدل على قدرة الباري و حكمته في خلقه. كان الشيخ محمد علي كثيرا ما يردد الآيات التي تشير إلى أسرار الكون مستخلصا العبر, كقوله تعالى * لخلق السماوات و الأرض أكبر عند الله من خلق الناس و لكن أكثر الناس لا يعقلون * و قوله تعالى* فلا أقسم بمواقع النجوم * أي منازلها و قوله تعالى و السماء ذات الحبك  و الحبك هو الشد و الإحكام إشارة للترابط و التماسك بين الكواكب و النجوم بفاعل الجاذبية.
       و من علماء الزيتونة السابقين الذين كان لهم إلمام بأحكام النجوم الشيخ محمد ماضور (1150-1226) كان "يستعمل الأسطرلاب و الأرباع التي اخترعها العرب" (أنظر: محمد الخضر حسين, "تونس و جامع الزيتونة", محمد ماضور, من علماء تونس و أدباءها, دمشق 1971, ص. 95). و من جملة ما احتوت عليه المكتبة العبدلية-الصادقية بجامع الزيتونة مجموعة من المخطوطات النفيسة التي ورثها المدرس الشيخ الطيب رضوان عن أبيه مصطفى بن علي رضوان, و جلها في علم الهيئة.

      إلى جانب مطالعة السماء و نجومها, كان الشيخ محمد علي  يتردد عادة في أوقات الفراغ على الشاطئ الواقع بمقربة من داره للتنزه و التسلية, لا سيما في فصل الشتاء عند هيجان البحر و تلاطم أمواجه, فكان يقطع المسافات الطويلة يرقب صفحة الماء و ما يحدث فيها من تجاعيد و تغير ألوان, فيجد في ذلك متعة للعين و صفاء للذهن و طمأنينة للنفس, و كان أثناء تجوله ينشد أبياتا قيلت في البحر و حركت قريحة الشعراء, فالبحر كما وصفوه مصدر للإلهام و راحة للمكدود و سلوة للعاشق , ومخاطرة لكل من يعبره كقول ابن حمديس :
                                   أراك ركبت في الأهوال بحرا    عظيما ليس يؤمن من خطوبه
                                   تسير  فلكه  شرقا     و غربا      و تدفع من صباه إلى   جنوبه
                                و أصعب من ركوب البحر عندي      أمور ألجأتك   إلى    ركوبه
       و قال ابن حمديس في  نفس المعنى :
                                          لا أركب البحر أخشى       علي     منه  المعاطب
                                          طين  أنا   وهو   ماء        و الطين في الماء ذائب
        و قول خليل مطران :
                    ...شاك إلى البحر اضطراب خواطري        فيجيبني برياحه الهوجاء
                      تأو على صخر أصم و ليت لي             قلبا كهذي الصخرة الصماء...
        و من أشهر ما قيل في هذا الصدد القصيدة الي غناها المطرب المصري الشيخ امين حسنين في اربعينيات القرن       العشرين و التي مطلعها :
                  مررت بالبحر فاهتاجت لرؤيته       عواطفي و بكت عيني على الأثر 

  كان من عادة الشيخ محمد علي أن يتمشى على ساحل البحر بين كوكبة من الأتباع المتشوقين إلى سماعه وهو يجيب عما استشكل عليهم من المسائل الفقهية. و كان يحبذ هذه الطريقة التعليمية التي تجمع بين أخذ العلم و الترفيه عن النفس, وهي طريقة انشاتها مدرسة المشائين من فلاسفة اليونان, فهي وسياة بيداغوجية إيجابية و ناجعة تروض الفكر و توقض الفطنة.

  (17مجاراتا لسياسة التقشف التي نادى بها رئيس الدولة, بدعوى صيانة موارد البلاد من الإتلاف والحفاظ على العملة الصعة و عدم استنزافها, وقع التقلبل من عدد الحجاج  و حجر على كل من سبق له أداء فريضة الحج العودة إلى البقاع المقدسة, ومنع لسنوات متتالية ذبح الأضاحي.

(18) هذه بعض عناوين المحاضرات و الخطب الجمعية التي ألقاها الشيخ بالكويت سائر أيام رمضان المعظم : - وعظ أبي ذر - وصية لأبي عمرة سفيان بن عبد الله - الدين النصيحة - و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير - معنى البر و ترويض النفس عليه - في الألفة و الاتحاد - وجوه إعجاز القرآن - القرآن وعاء الحكمة و مصدر الهداية - قدر النبي و منزلته عند ربه - الارتباط الوثيق و الصلة المحكمة بين القرآن و السنة - فصاحة النبي و جوامع كلمه - شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن - الصيام جنة - أي الأعمال أفضل -.

(19) كان الدكتور التيجاني هدام (1921-2000) من المواظبين على نادي الجمعة لا يتخلف عنه إلا نادرا, و كان كثير التردد على تونس منذ أن عمل كرئيس مصلحة بالمستشفى الصادقي (1954-1960) بعد تخرجه من جامعة الصربون كطبيب جراح, و في سنة 1970 عين سفيرا للجزائر بتونس لمدة خمسة أعوام. و قد اضطلع بمهمات جسيمة, إذ يعد من المناضلين في ثورة الكفاح الوطني لتحرير بلاده, و قد تولى بعد الاستقلال منصب وزير للشؤون الدينية (1964) و وزير للصحة (1965), و كان عضوا بالمجلس  الأعلى للدولة الجزائرية, و أقام بجدة سفيرا للجزائر بالمملكة السعودية و كان في الآن نفسه عضوا في مجمع الفقه الاسلامي (1982-1989). و قد تعرف الدكتور هدام على ثلة من علماء تونس, و كان من أوفى أصدقاء الشيخ محمد علي يكن له الود الخالص و يستأنس بمجالسته, حتى أنه كان يعزم عليه كلما قصد العمرة أن يضيفه عنده في جدة, و كان الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة إذ ذاك مقيما أيضا في هذه المدينة بصفته أمبنا عاما لمجمع الفقه الاسلامي, فكان هو و الشيخ هدام يتنافسان في استقبال صديقهما و ينزلانه منزلة الاحتفاء و الاكرام. و قد جرت العادة أيام الجمعة أن يصطحبا ضيفهما على متن السيارة إلى مكة حرصا على أداء الصلاة في الحرم المكي.

(20) أخر من توفي من هذا الجمع المبارك فضيلة الشيخ عبد العزيز القيزاني (انتقل إلى عفو الله يوم 26 \2 \ 2018), كان عضوا في المجلس الإسلامي الأعلى بتونس, و قد قام بتحقيق ديوان الشاعر أبي عبد الله محمد الورغي (الدار التونسية للنشر, 1975), و قدم دراسة عن حياة الورغي و مقاماته (الخمرية و البهائية و الختانية) وبعضا من رسائله (الدار التونسية للنشر, 1972).

(21) حضر المحامي و الناشط السياسي و إمام جامع سيدي محرزالاستاذ حسن الغضباني في بعض دروس الشيخ,  و قال عنه "هذا رجل لا يتكلم من فيه و إنما ينبع الكلام من أعماق قلبه و وجدانه". وقد جمع الحكيم الدكتور سامي ابن موسى مشكورا بإعانة بعض رفقائه المخلصين أكثر من مائة  تسجيل للدروس التي أقامها الشيخ محمد علي بجامع علي بن أبي طالب بضاحية الكرم و وزعت مجانا في قالب أقراص مدمجة.

(22) من الملاحظ أن الشيخين الأخوة و الأصرم لم يكن لكل واحد منهما أي انتماء حزبي و لم يتخذ كلاهما أي   موقف سياسي, و بحكم تكوينهما تكوينا زيتونيا صرفا, كان الهدف الرئيسي, من خلال الخطابات التي توجها بها الى الجمهور أثناء الحملة الانتخابية, يرمي أساسا إلى تدعيم مكانة الاسلام و رسوخه في قلوب الناشئة و تثبيت قيمه الروحية. (و قد أسند أعضاء حزب النهضة بالمكتب المحلي بالكرم للشيخ محمد علي, عام 2011 ,أي بعد وفاته بست سنوات, وسام تقدير : "لمسة وفاء للمناضلين الأوفياء.. المناضل المرحوم محمد علي...")

(23) (تحت رعاية وزارة الثقافة و المحافظة على التراث و المندوبية الجهوية بولاية تونس و بلدية الكرم أقيم حفل المسابقة الجهوية الأولى لترتيل القرآن الكريم "دورة المرحوم الشيخ محمد علي الأصرم" و ذلك ليلتي 27 و 28 من رمضان المعظم سنة 1434 / 5 و 6 أغسطس 2013 إثر صلاة العشاء بدار الثقافة مصطفى آغة بالكرم الشرقي حضره جم غفير من تلاميذ  الشيخ محمد علي  و محبيه, و ألقى الشيخ الشريف أحمد قلنزة (الامام الخطيب بجامع الكرم خلفا عن الشيخ الأصرم) محاضرة قيّمة استعرض فيها بإطناب مناقب هذا الشيخ الذي تتلمذ عليه سابقا بالفرع اليوسفي, و أبان فيها ما كان يتحلى به من الناحية البيداغوجية من المقدرة على إيصال المعلومات و تحديد المفاهيم و تبسيط المسائل المعقدة بكل وضوح, مع تمكن من المواضيع المطروحة التي يأخذها من  مصادرها و مراجعها, و أجاب الشيخ قلنزة على كل المداخلات و الاستفسارات والأسئلة التي وجهت إليه من طرف الحاضرين).

                                                         خالد بن محمد علي الأصرم

                                 2005/12/5      


 (ملحق

(انظرمحمد العزيز الساحلي :  الشيخ محمد علي الأصرم (1919-2005), " الصباح", 27-07-2005).

 < بمناسبة الاحتفال باختيار تونس عاصمة للثقافة الاسلامية لسنة 2019 و بإشراف وزارة الشؤون المحلية و البيئة قام المحامي الأستاذ فتحي العيوني رئيس المجلس البلدي بضاحية الكرم مشكورا بتدشين نصب تذكاري بساحة آغا بالكرم, و ذلك يوم الأحد 27 ربيع الأول 1441 \ 24 نوفمبر 2019, تخليدا لذكرى أعلام من الزيتونة, و هم المشائخ الناصر الباهي و جلال الدين النقاش و محمد علي الأصرم و الصادق عيسى و الشريف أحمد قلنزه, تقديرا لما قدموه من أعمال خالدة في مجال الدعوة الاسلامية و غرس المبادئ السمحة في قلوب الشباب و حثهم على التخلق بالآداب السامية التي يتحلى بها ديننا الحنيف. >  (25 11 2019)




                                             الشيخ الشريف قلنزة يلقي خطابا بمناسبة الاحتفال